لماذا تجسد الله ؟

 

في نهاية كل سنة ميلادية يحتفل العالم بذكرى الميلاد / ميلاد المسيح كلمة الله

فبالميلاد جاء المسيح كلمة الله الى أرضنا متجسداً وظهر بيننا بهيئة انسان .  فقال الوحي في انجيل يوحنا : في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله ، ثم قال : والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده.

ونحن في مقالات سابقة ناقشنا موضوع التجسد وحاورنا زائر الموقع  وتساءلنا معه : لماذا تجسد الكلمة .. لماذا تجسد الله .. لماذا جاءنا الله بهيئة انسان

وأشرنا حينها إلى سفر وحيٍ جميل بين أسفار الانجيل أسهم في توضيح الغاية من التجسد ، وهو سفر العبرانيين في أصحاحه العاشر .

وحديث الوحي في ذلك جاء عن لسان المسيح الأقنوم الثاني في لاهوت الله الواحد ، فالمسيح الابن يخاطب الآب السماوي هناك بقوله :

قرباناً ومحرقاتٍ وذبائح للخطية لم تُرد ولا سررت بها ، التي تقدم حسب الشريعة ، ولكن هيأت لي جسداً !.. ثم يقول : هنذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله / أي ها أنذا أجيء بجسدي الذي هيأته لي من دمٍ ولحم لأُتمم مشيئتك يا الله لأنوب بجسدي هذا عن قرابين الأضاحي الحيوانية في شريعة  موسى

قارئى الكريم .. لعلمك أن موت المسيح على الصليب ألغى الأضاحي الحيوانية التي كانت تقدم من قبل .  فدم الأضاحي من الثيران والتيوس والخراف لم يكن لها قوة التكفير عن خطايا الناس ، وعند تقديمها للذبح نيابة عن الخطاة لم يكن ذلك برغبةٍ منها ، فهي لم تذنب في شيء ، إنما كانت ذبائح رمزي أمر بها الله لبينما يأتي الزمن الذي تحل فيه ذبيحة الصليب كي تصبّ في الصليب   كل حسابات الذبائح الحيوانية التي سبقت صليب المسيح .. فعندما ارتفع المسيح على خشبة الصليب أُبطلت كل الأضاحي الحيوانية ، ولم يعد لها من قبولٍ عند الله لأن المرموز إليه قد حضر ، وإذا حضر الماء بطل التيمم ، ولذلك انتهت الحاجة إلى الهيكل ، والهيكل اليهودي كان هو المكان الوحيد الذي فيه تقدم  الأضاحي الحيوانية ولا تجوز في مكان آخر غيره، لكن بعد الصليب انتهى الهيكل في مسيرة الشعب الموسوي فلم يعد للهيكل من وجود على أرض الواقع لكي يتحولوا إلى ذبيحة المسيح الدائمة .

 

قارئى  الكريم ..

إن أهم حدثين في حياة المسيح على الأرض هما حدث الميلاد وبه تجسد الله ، أما الحدث الثاني فهو الصليب والقيامة / قيامة المسيح من القبر .  فالصليب هو النقطة المركزية التي جاء المسيح وتجسد لأجلها ، فلأجل الصليب ولد المصلوب وارتضى بأن يعيش بينا بالهيئة المتواضعة التي حل فيها في الأرض ولذلك بعدما أنجز المسيح ما جاء من أجله ارتفع إلى السماء التي منها جاء .

هذه حقائق إيمانية مؤكدة مدعومة بالبرهان القاطع ، حقائق نؤمن بها ونحياها في قلوبنا ونسير بنورها والكنيسة المسيحية بكل فروعها وطوائفها عبر كل التاريخ عاشتها وتعيشها  باطمئنان راسخ .

شد انتباهي اليوم قصيدة معبرة للشاعر السوري ناصيف اليازجي عبّر بها عن أسس الإيمان المسيحي بأجمل بيان شعري ، والقصيدة أمامي من واحد وسبعين بيت ،حافظ فيها الشاعر بِنَفَسه الطويل على قافيةٍ واحدة ، فأطاعته الكلمات دون حشوٍ أو لغوٍ أو ركاكةٍ في المعنى أو ضعفٍ كالذي يتعرض له الشعراء أحياناً عندما تُستهلك مفردات القوافي قبل أن يصلوا إلى غاية ما يرمون إليه .  إليك أيها الزائر الكريم هذه القصيدة والتى اختم بها مقالى :

 

نحن النّصارى آل عيسى المُنتمي
وهو الإلهُ ابن الإلهِ وروحهُ
للآبِ لاهوتُ ابنهِ وكذا ابنهُ
كالشمسِ يظهرُ جرمها بشعاعها

 

والله يشهد هكذا بالحق في
عن آدمٍ قد قال صار كواحدٍ
خلقَ البسيطةَ واحداً في جوهرٍ
لكنْ عصاهُ بزلّةٍ لا تنمحي

 

فأتى وخلّصهُ وخلّصَ نسلَهُ
وشفى من البلوى وفتّحَ أعيناً
هذا مسيح الله فادينا الذي
بطبيعةٍ بشريةٍ قد أُلِّمَتْ

 

حملَ الجراحَ بنفسهِ متعمِّداً
قد كان ذلك منه طوعاً وهو قد
من قال للأعدا أنا هو فانهووا
لو لم يُرِدْ لم يأتِ قطُّ فإنه

 

لاهوتهُ المالي الوجود إذا اكتسى
وإذا تألّم هل على اللاهوتِ منْ
لكنهُ قد شاء ذاك لحكمةٍ
فأتى المسيح بأمره متجسداً

 

متنازلاً متذللاً متواضعاً
وهو الإله الأعظم الآتي لنا
أعطته توراةُ الكليمِ شهادةً
وكتابهُ الانجيلُ حقٌ واضحٌ

 

في كلّ طائفةٍ وقطرٍ واحدٌ
كم في النصارى شيعةً قد ناقضت
سبعون أو مئةٌ من الأحزاب في
يا طالما اختلفوا فما اتّفقوا على

 

كم آيةٍ فيه تُخالف بعضهم
ولئن أخلَّ بها فأنَّى وافقت
ولو استهينَ بضبطه لرأيته
وإذا تعطّل كلهنَّ فقلْ لنا

 

والحال أنّ له كذا ألفاً من الـ
يرضى النقيضُ نقيضهُ كنظيرهِ
وإذا افترضناهُ حديثاً باطلاً
كحديث عنترةِ الفوارسِ وابن ذي

 

فتُرى لو أنّ الأصمعيَّ روى الذي
وأبا عُبيدةَ مثله وجُهينةً
هل يستوي النقلُ الذي أودى به
ولو الحواريون نصّوه على

 

جعلوه في التعبير لفظاً واحداً
ولو أنهم كتبوا كما شاء الهوى

ولكان في التاريخ ما هو ضدّهم
أو كان سُطِّرَ بعد حينٍ مثلما


 

هل مَنْ يُصدقهُ ويتركُ دينه
وإذا تقرر بعد ذلك أنه
لزِمَت به ثقةُ الجميع بأنه
واستلزم التصحيحُ إقراراً بما

 

فتعيّن الإيمان فيه بكل ما
وغدا المُماري في المسيح كأنه
وتعطّلت آراءُ كلِّ مكذِّبٍ
شَهِدَت عجائبهُ له في عصرهِ

 

ولنا عليه أدلَّةٌ قطعيّةٌ
قد جاءَ لا بيتٌ ولا مالٌ ولا
يأوي المغارة مثلَ راعي الضأنِ لا
وهو ابن يوسُفَ لا ابن قيصر عندهم

 

فأتاهُ من شعبِ اليهودِ جماعةٌ
وتبرّأوا من دين موسى صاحب الـ
وتباعدوا من قومِهم بمذلةٍ
وتعلّقوا بحبال مسكينٍ أتى

 

قالوا هو ابن الله جهراً والعِدى
والناس بين عواذلٍ وعواذرٍ
ما غرَّكم يا قوم فيه أسيفهُ
هو ساحرٌ يطغي فقالوا لم نجِدْ

 

كانت رجال الله تُحيي ميتاً
ونراه يُحيي المائتين بأمرهِ
ولئن هم انخدعوا لغَفْلتِهِم فقد
فتُرى بما خدعوا البلاد ومن بها

 

فإذا اعتبرنا ما ذكرتُ بدا لنا
وهو الدليل لنا على إثباته
ولكلِّ معترض علينا منةٌ

 

 

حسبَ التأنُّسِ للبتولةِ مريمِ
فثلاثةٌ في واحدٍ لم تُقْسَمِ
وكذا هما والروح تحت تَقَنُّمِ
وبِحَرِّها والكلُّ شمسٌ فاعلمِ

 

سفرٍ لتوراةِ الكليمِ مُسلّمِ
منّا بلفظِ الجمع من ذاكَ الفمِ
أحدٍ لخدمةِ آدمَ المستخدمِ
إلا بإرسال ابنه المتجسِّمِ

 

ذاك المخلّص من عذاب جهنّمِ
وأقام ميْتاً مثلَ بالي الأعظمِ
صلَبَتْهُ طائفةُ اليهود كمجرمِ
وطبيعةُ اللاهوت لم تتألّم

 

حتى تكون لجرْحنا كالمرهم
وافى له يفدي به الدمَ بالدمِ
صرعى أليس بقادرٍ أن يحتمي
أدرى بذا في علمه المتقدمِ

 

جسماً فهل ضررٌ له بتجسُّمِ
ألمٍ فليس الله بالمتألمِ
سبقت بغامضِ علمه المستحكم
من خير سبطٍ في اليهود مكرَّمِ

 

متصاغراً رُغماً على المتعظّمِ
من نسلِ داود النبيِّ المُلهمِ
وشهادةً وشهادةً لم تُكتمِ
لا ريب فيه ولا سبيل لمُتْهِمِ

 

ما بين أصلٍ عندهم ومترجمِ
أخرى وقد حكمت بما لم تُحكمِ
خُلْفٍ على لزَمٍ وما لم يلزمِ
شيءٍ سواهُ فغيره لم يسلَمِ

 

لكن على تغييرها لم يُقدمِ
نَقْلَ النقيضِ ونصُّها لم يُخْرمِ
نُسخاً بهنَّ النَّقلُ لم يتقوَّمِ
كيف الصحيحُ وأين يوجد واسلَمِ

 

نُسخِ التي اتَّفقت بضبطٍ مُحْكمِ
فيهنَّ وهو عليه غيرُ مسلِّمِ
ضبطوه نقلاً كالطراز المُعلَمِ
يَزَنٍ وبعضٍ من رجال الدَّيلمِ

 

نجدٌ رواهُ من الحديث المُتْهمِ
وسواهما من كاتبٍ ومترجمِ
نقضُ الرواةِ فصار كالمتهدّمِ
قدرٍ بمجتمعٍ لهم ومُخيَّمِ

 

لا فرق فيه لناظر المتوسّمِ
شُقَّ الكتاب لكذبهِ وبهِ رمُي

دحضاً وضدُّ مسيحهم كمُسَيْلِمِ
قد ظنَّ بعض الناس ظنَّ مُرَجِّمِ


 

بسماعه عن حادثٍ مُتردّمِ
هذا الصحيح وأنه لم يُلثمِ
حقٌ وغير الحقِّ لم يتكلمِ
في طيِّه كاللازم المستلزمِ

 

يرويه تصديقاً بغير توهمِ
في الشمس مارى في الضحى المُتبسمِ
ومُفنِّدٍ ومرجِّمٍ ومنجِّمِ
فدرى الحكيم وتاه من لم يفهمِ

 

عقلاً ونقلاً ليس قطع تحكمِ
فرسٌ ولا شيٌ يباع بدرهم
راعي الممالك في السرير الأعظمِ
يغزو بجيش في البلاد عرَمْرَمِ

 

كانوا على الدين التليد الأقدمِ
طُّورِ المكلَّم في الغمام الأدهم
يأبون كلَّ كرامةٍ وتنعُّمِ
بالذلّ مثل السائل المسترحمِ

 

من حولهم مثل الذئاب الحُوَّمِ
لـهُمُ وبين مُحَلِّلٍ ومُحرِّمِ
أم جاهُهُ أم مالُه في الأنعمِ
من ساحرٍ يُحيي الرميم بطلسمِ

 

بصلاتها ودعائها المتقدمِ
فهو الإله ومن تشكّك يندمِ
ضَعُفَتْ عقولهم كمن لم يَحلَمِ
من عالمٍ يُفتي ومن متعلّمِ

 

بالحقِّ وجه الحقّ غيرَ مُلثَّمِ
كالشمس تَطْلعُ في سماء الأنجمِ
إن كان يدحضهُ بقولٍ مُلزمِ