جــذور
الارهــاب 1
هذه
تحية لكل الأحبة زائري موقع الماء الحى
ونحن
أيضاً لنا رأي في الإرهاب لكنه يختلف عما يقولون .
ورأينا هذا لا يستند إلى موقف
سياسي لا من قريب ولا من بعيد ، بل يستند على موقف الله
من الإرهاب .
بداية نقول أن
الأحداث الإرهابية التي تتحدث عنها الشعوب ووسائل الإعلام في هذه الأيام
ليست جديدة على السلوك البشري ، ولو أن الإرهاب في هذا
الزمن استخدم في تنفيذ ما
يخطط له وسائل حديثة ومبتكرة لم تكن متوفرة في غابر الأزمان . أما الإرهاب بشكل عام
فهو قديم قديم مع قدم التاريخ
. ولعلنا جميعاً نتذكر أن
أول حدثٍ كان
يمكن أن يوصف بالعمل الإرهابي هو ما حصل بين ابني آدم حين قام
قايين على أخيه هابيل وقتله غدراً ، ومن الغريب العجيب أن قايين
وهابيل كانا أول مولودين بشريين في
التاريخ.
ويخبرنا الوحي في
سفر التكوين الإصحاح الرابع أن عندما لاحظ الله النية الماكرة في قلب
قايين نحو أخيه حذّره بقوله : لماذا اغتظت ولماذا
سقط وجهك ؟.. إن أحسنت أفلا رفعٌ ؟. وإن لم تحسن
فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها .
ومع ذلك خطط قايين لتنفيذ ما نوى عليه وكلّم أخاه وانتحى به
في الحقل وقام عليه وقتله
وكأن الله لا يرى ّ.. وإذا بصوت الله ينادي :
قايين أين هابيل أخوك ؟.. فقال : لا أعلم … أحارس أنا
لأخي !… فقال الله : ماذا فعلت ؟.. صوت دم أخيك صارخ إليَّ
من الأرض ثم قال : ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها
لتقبل دم أخيك من يدك . ثم
قال :متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها . وقال : تائهاً وهارباً تكون في
الأرض .
هذا هو موقف الله من
الإرهاب منذ بدء الخليقة ، ولم يتغير . وعندما يقال الإرهاب
يعني بالتالي العمل الهادف الذي يؤدي للقتل وإزهاق الأرواح البريئة
. وفي نظرنا أن القتل والزنى هما من
أفظع وأبشع الآثام التي ينهي عنها الله .
وكلاهما ورد ذكرهما في الوصايا العشر التي أوحيت إلى موسى النبي .
لا عذر للقاتل والإرهابي والزاني مهما كانت المبررات ، ولا مهرب له من
عذاب يوم الدين . قال المسيح يوماً
لأحدهم : رد سيفك إلى غمده ،
لأن الذين يأخذون
السيف بالسيف يهلكون .
ويقول المثل الشعبي
العام : بشر القاتل بالقتل
ولو بعد حين . فقاتل النفس التي حرّم
الله قتلها مصيره النار ، لا عذر له ولو تشدق
بالأعذار والمسببات .
قال المسيح يوماً
لسامعيه : تأتي ساعة فيها يظن
كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة
لله . ثم قال : سيفعلون هذا بكم لأنهم لا
يعرفون الله / ولا عرفوني !. ثم قال
: كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم
. هل توقف أحد عند هذه
الكلمات القوية وهزَّ رأسه واعتبر؟!..
من لا يقبل
هذا الكلام اليوم يستطيع أن يرفضه …
لكن في يوم الدين ستلوح له
الحقيقة أوضح من نور الشمس ، وسيتذكر أنه سمعها يوماً ولم
تعجبه وسيندم ولكن مع العويل ومأساة فوات فرصة التوبة والنجاة .
قلنا في ما تقدم أن
القتل والإرهاب جريمة قديمة مع قدم التاريخ .
ومن حينها توالت أعمال
الشر وسيل الدماء في نزاعات وخصوماتٍ وحروب على مدى التاريخ بصورٍ وتشكيلاتٍ متنوعة
تفنن أصحابها بها ، فاصطلحت المجتمعات السياسية الحديثة
على تسمية شكلٍ منها
بالإرهاب ، على اعتبار أن الإرهاب ليس حرباً معلنة في ميدانٍ مكشوف بين فريقين متخاصمين ،
بل هو عمل غادرٌ مرهبٌ ، وغالباً ما تكون ضحاياه من الأبرياء العزّل الذين يدفعون
ضريبة الموت بدل جهةٍ سياسية أو دينية محصنة في أبراجها بعيداً عن الأذى تمثل طرفاً في
الخصومة ، أما الضحايا فراحوا بين الرجلين لا ذنب لهم .
أما لماذا سُمِّيَتْ
بعض الأعمال بالإرهاب فلأنه عمل مفزع مفاجىء لأناسٍ يعيشون في اطمئنان ، ثم يفاجأون بعمل عدائي
عنيف ليسوا طرفاً فيه ولا يتوقعونه . وقد يكون
بين الضحايا أطفال أو نساء أو شيوخ مسنين . وقد يكون بينهم أيضاً أناس من شعوب
وجنسيات أخرى غير مستهدفة لكن صادف وجودها في المكان في لحظة وقوع الحدث فراحوا بين
الضحايا.
وهنا لابد من
التنويه بأن إحراج الدين في قضايا الإرهاب أمر يرفضه العقلاء
في جميع الشرائع وترفضه كل القيم الإنسانية .
إذ من غير الحكمة أن
تنسب الجريمة للدين حتى ولو ألبسها فاعلوها ثوباً دينياً ناصع
البياض ، إذ كيف ينسب للدين تبرير قتل الأبرياء العزل .
إنما كثيراً ما يؤخذ الدين
كغطاءٍ لتمرير العنف وترويج الجريمة إشباعاً لقلوبٍ حاقدة ناقمة متعصبة متعطشة
لإراقة الدماء .
إنما
السؤال الذي يفرض نفسه الآن :
طالما أن للإرهاب جذور قديمة منذ
نشأة البشرية فكيف نبتت
جذور الإرهاب في
قلوب الناس ؟. كيف استوطن الإرهاب في نفوس من خلقهم المولى
ليكونوا عباداً
صالحين وأهل خير وإحسان .
ألم يخلق
الله العالم في أحسن تكوين ؟.. إذ قال الوحي في
نهاية اليوم السادس للخليقة : ورأى الله كل ما عمله فإذا
هو حسن جداً … فمن أين تسلل الغضب
العارم وهذا الحقد العنيد إلى
نفوس خلقها المولى لكي تزرع ولا تقلع ، ولكي تبني ولا تهدم ، ولكي تحيا الخير وترفض الشر ، ولكي تبارك ولا تلعن ..
كيف ومتى انقلبت صورة براءة الانسان التي خلق فيها فصار لهذه المخلوقات الآدمية أن
تجيز لنفسها العنف و القتل والدمار الأعمى بلا تمييزٍ بين مذنبٍ وبريء حتى وصل
المر بالبعض أن يدمر نفسه مع ضحاياه ، دون أن يكون بين
الجاني والضحية أي خلاف
شخصي .
نخلص إلى القول أن
العمل الإرهابي كغيره من الأعمال التي يرفضها الله فهو تعبير ناطقٌ
واضح وصريح عن الطبيعة الحقيقية للانسانية التي تهاوت
وسقطت بعصيان آدم أبو البشرية
حين خالف وصية الله وطرد من الجنة . فآدم سقط ، وسقطنا
معه لأننا كنا
في صلبه . وآدم طرد وطردنا معه ، وها نحن نعيش من يومها
في أرض المنفى . أما الجنة فصار الشرط
لدخولها أن لا يدخلها قاتل أو سارق أو زانٍ أو عابد وثنٍ أو فاعل شر .
فآدم تلوث بلوثة
الخطية ، وتلوثنا معه . وآدم راوغ وحاول
تبرير نفسه
بالتمويه
، ونحن أبناؤه نسير على
نفسِ الدرب: نتدين ونكذب ، نتدين ونراوغ ، نتدين ونلعن ونشتم ،
نتدين ونحقد وننتقم ونُنَصِّب أنفسنا مكان الديان الأوحد
فنقول هذا للجنة وهذا
للنار ..
فاستوطن الحقد في
قلوبنا ونزعه الشر في نفوسنا ، وفي زحمة المُبررات التي
ندَّعيها غاب العدل وساد الظلم والقهر بين الناس حتى وصل الأمر بالبعض أن يوزع الحلوى
ابتهاجاً بمصائب الأبرياء وتفشَّى الاستهتار بكل القيم الانسانية. قال آدم
لله المرأة التي أعطيتني أغوتني فأكلت من الشجرة المحرمة .
وقالت حواء : الحية غرَّتني فأكلت ومن يومها تقوم البشرية بذات الفعل
وتبرر الشر بذات الأسلوب ونتساءل في ختام هذه المقالة ما الحل ؟…
وكيف السبيل
لإصلاح النفوس؟.. من يستطيع أن
يستأصل نزعة الحقد ، والكراهية المرة ، وهذا السخط والغضب العنيد من قلب الانسان ؟.. كلنا مصاب بهذا الداء .
ويظهر فينا في ظروفٍ ومناسبات معينة .
هناك حل
واحد وحيد الملايين اختبروه ونعموا به . سنتحدث
عنه بمشيئة الله في مقالة
قادمة .