جــذور الارهــاب 2

 

قارئى الكريم أحييك بكل الحب

 

  موقعك هذا كما تراه موقع صريح ، لكنه لا يؤذي ، يقول الحقيقة ولكن بلطفٍ واحترامٍ لمن يخالفه الرأي ، وهو موقع لا يجادل لكنه يحاور بأدبٍ ويقبل النقد ويحترم حرية الرأي الآخر في التعبير .

  وحرية التعبير المتوافق عليها لها حدود تحكمها قواعد أدبية يدركها المتحاورون المخلصون في السعي لتوضيح الحقائق أو الاستيضاح عنها

  قلنا في مقالة ماضية فى هذا الموقع أن أحداث العنف والإرهاب التي تتحدث عنها الشعوب في هذه الأيام ليست جديدة على عالمنا ، ولو أنها تستخدم اليوم وسائل جديدة مبتكرة لم تكن موجودة في أيام القدم . فالعنف أو الإرهاب له جذور قديمة في السلوك البشري منذ بدء تاريخ الانسان . ولكن الملاحظ أن في زحمة انشغال الناس في سماع الأخبار المتلاحقة ، يفوتهم أن يتوقفوا لحظةً ليتساءلوا عن أصل الإرهاب من أين جاء !.. وأين ومتى وكيف نبتت جذور الإرهاب في عمق النفس البشرية التي خلقها الله في أحسن تكوين حين خلق آدم .

  فمن أين تسلل هذا النوع الجارف من الغضب والحقد العنيد إلى نفوسٍ خلقها الله لكي تزرع ولا تقلع ، ولكي تبني ولا تهدم ، ولكي تعطي ولا تؤذي ، ولكي تحيا الخير وترفض الشر ، وتكون بركة لا نقمة .

ونحن هنا في سياق هذا الطرح لا نتساءل عن لماذا فعل الإرهابي هذا الفعل أو ذاك ( وأفعال الإرهاب كثيرة ) فهو قد يكون لديه قضية اختار أن يدافع عنها بأسلوب أقل ما يقال فيه أنه أسلوب غير انساني / مدان من الله / ومن الناس ومرفوض من كل الشرائع الدينية طالما هو يستهدف المدنيين الأبرياء.

ولكن نتساءل : من غرس جرثومة الإرهاب في طبيعة البشر حتى أن أحد ولدي آدم قام على أخيه وقتله ثم تخفى وأنكر صلته بالحادث . هل خلق الله الانسان بهذه العصبية الوحشية ، أم أن شيئاً حصل فغير الطبيعة الطيبة التي خلقها الله في الانسان ؟..

  هذا الكلام يعود بنا إلى كتاب قديم مازال يحتفظ ببريق جماله وصدق مقالته رغم كل ما يُشاع عنه من فئةٍ لم تتذوق جمال روايته وما نشير إليه هو الكتاب المقدس .

  فالكتاب المقدس يكشف لنا الحقائق القديمة لمجريات تاريخ الانسان بتفاصيلها الدقيقة .

الكتاب المقدس هو السجل الرباني الذي رصد تحركات الانسان وسلوكياته منذ بداية الخليقة .

 الكتاب المقدس وبخاصة سفر التكوين هو أقدم كتاب وحي في الوجود ، وهو أول من كشف للبشرية أسرار الكون ، فيحدثنا عن ماذا خلق الله في اليوم الأول للخليقة ، وماذا في اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس حيث اكتملت الخليقة في ستة أيام . وكيف أن الله خلق آدم في أواخر اليوم السادس بعد أن هيأ له كلَّ ما هو ضروريٌ ومناسبٌ ومريحٌ لحاجة الانسان ، لأن الله أعز الانسان وميزه عن سائر مخلوقاته . كما قال سفر التكوين كيف أن الله توَّج الانسان على رأس خليقته . كما يصرح الوحي أن الله خلق الانسان على صورته ومثاله . وهذا تعبير يسمو عالياً عن مستوى فهم البعض ممن يتمسكون بحرفية اللفظ ، بينما ما يعنيه الوحي هنا أن الله وضع في الانسان قبساً مما له ، وبه ميز الانسان عن باقي مخلوقاته ..

فالله خالد لا يفنى ومنح الخلود للانسان ، الله خالق مبدع وأعطى الانسان أن يكون مبدعاً خلاقاً ( وليس خالقاً ) . الله حكيم فهيم وغرس في الانسان قبساً من الحكمة والفهم استطاع بها أن يطور نفسه وأسلوب حياته وفي تعاملاته مع ما حوله من عناصر الطبيعة التي أخضعها لخدمته .

والله عادلٌ ووضع في النفس البشرية بذور العدل . والله محب رحيم وميز الانسان بالمحبة والرحمة الله ناطق يعبر عما يريد بالكلمة ، وكذلك الانسان مخلوق ناطق دون الحيوان . وأخيراً وليس آخراً الله قدوس طاهر ، فحين خلق الانسان خلقه طاهراً نقياً نظيفاً خالٍ من العيوب .

هذه هي صورة الله في الانسان وبها ميز الله الانسان عن الحيوان . ولكن هذه الصورة الجميلة التي خُلِقَ بها شوهتها الخطية يوم سقط آدم في عصيان الله وخالف وصيته.

وكان من ثمار السقوط أن استوطن الاثم في كيان البشرية ، فصار الكذب والحقد والكراهية والتعظم والكبرياء والحسد والميل للحرب والاقتتال ، والمنازعات الدموية ، وصار الرياء والنفاق المُغَلَّف بثوب التقوى والتدين والمحسنّات المظهرية وكل واحدة من هذه تعلن عن حقيقة فساد النفس البشرية في ميزان الله .

   فالخطية شوهت الصورة الجميلة التي خلق بها الانسان . ومن بؤرة الخطية التي أورثها آدم لذريته خرج العنف والحرب ، والإرهاب والاغتصاب ، ونبتت الجريمة بأشكالها من زنى وفسق وسرقة وقتلٍ ، وظلمٍ وكذبٍ ، وشهادة زور وإلى باقي مفردات قاموس الشر فتعثرت علاقة الانسان بربه كما تعثرت علاقة الانسان مع نفسه ومع مجتمعه وحتى مع أبناء بيته وأقاربه وبني جنسه ، وقصة قايين وهابيل ابني آدم لمن أقدم الأمثلة على ذلك والقصة مازالت تتكرر . فبعد جريمة قايين في قتل أخيه هابيل تعاقبت سلاسل غير منقطعة من المظالم والجرائم ، وصار البعض يتفنن في عمل الشر ويحاول إعطاء الإثم غطاءاً دينياً فيحلل ويحرم على مزاجه ويقحم الدين ظلماً وبهتاناً ، والدين منه براء إذ كيف يصدق بأن الدين يعطي شرعية لقتل الأبرياء العزّل الذين لا ذنب لهم . وكثرت المدارس التي تحلل وتحرم وتباينت الأفكار والمواقف في هذا وذاك بين من خرجوا عن نص الشريعة وخالفوا أحكام الدين .

  نخلص إلى القول أن أساس العنف سواء كان في البيت بين أفراد العائلة الواحدة أو في الشارع أو في المدينة أو بين الشعوب هو سقوط الطبيعة البشرية . فالانسان آثم ويحتاج للمصالحة مع الله بتوبةٍ فعلية وليس بمظاهر التقوى التي تمارس تقليدياً بطقوسٍ وشعائر دينية رتيبة من العبادة المظهرية بل بقلبٍ خاشعٍ خاضعٍ متواضعٍ مسامح ومتسامح يعمره الحب لله أولاً وللناس كافة والسؤال الآن : من هو القادر على صنع معجزة التغيير هذه في القلب الملوث بالخطية ؟..

لأجــل ذاك جــاء المسيــح !..

  ذاك هو الواحد الأحد القادر أن يستأصل روح العداء والبغضاء والحقد بل وأصل المرارة في القلب ، لأجل هذا جاء المسيح برسالة مميزة ليحرر الانسان من عدوٍ في داخله ينخر كالسوسة في ضميره ويصور له الشر خيراً والخير شراً ويعكر أجواءه وأجواء الدنيا من حوله .

  نادى المسيح يوماً على مسمع من الحضور مخاطباً العالم كله قال : تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم . احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم . لأن نيري هيّن وحملي خفيف .

  كلمات فيها سلطان ، لا يجرؤ أي انسان مهما سما في القدرة والتقوى أن يدعيها أما المسيح فهو الطبيب الوحيد القادر أن يدخل القلب ويطهره من الحقد ومن الضغائن ومن لوثة الكراهية ومن العداء وروح الانتقام وعدم المسامحة وأن يغرس فيه الحب والسلام وراحة البال والسعي لخير الناس .

وقبل أن أختم هذه المقالة  :

هل سمعت قارئى الكريم عن إرهابي خطر غير مسيحي كيف آمن بالمسيح وتحول من صورة غراب شرس إلى حمامة وديعة ومن وحشٍ مفترسٍ إلى حملٍ وديع

 

تابع معي في مقالة قادمة.. لأحدثك عنه ، وستعرف حينها كيف يستطيع المسيح الحي أن يغير القلوب وأن ينزع مرارة الإثم من القلب الخاطىء ويزرع فيه الخير وبذار السلام والحب وطهارة القلب .

 




العودة الي الصفحة الرئيسية