كوبرى العبور
قارئى الكريم / طابت أوقاتك بكل الخير
يحدثنا سفر التكوين الأصحاح الثامن والعشرون بكلمات تصف لنا مشهداً مرّ به يعقوب ابن اسحق بعدما اختلف مع أخيه عيسو على البكورية وهرب من وجه أخيه فيقول الكتاب المقدس :
"فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب نحو حاران. وصادف مكاناً وبات هناك لأن الشمس كانت قد غابت . وأخذ من حجارة المكان ووضعه تحت رأسه فاضطجع في ذلك المكان. ورأى حلماً وإذا سلَّمٌ منصوبةٌ على الأرض ورأسها يمسُّ السماء . وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها. وهوذا الرب واقفٌ عليها فقال أنا الرب إله ابراهيم أبيك واسحق . ويكون نسلك كتراب الأرض شمالاً وجنوباً . ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض. وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب. لأني لا أتركك. فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقاً إن الرب في هذا المكان. ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء" .
فيعقوب هنا قارئى العزيز ..كان هارباً من وجه أخيه عيسو الذي توعَّده بالقتل . وهروبه هذا كان بالاتفاق مع أمه ليذهب من أرض فلسطين إلى بيت خاله لابان في بلاد العراق لينجو من غضب أخيه . فالرحلة شاقة وطويلة ويكتنفها الغموض في إمكانية الوصول بسلام وأمان ....
ويعقوب لم تكن له الخبرة في السفر الطويل والبعد عن بيت أبيه ... لكن الخوف من أخيه دفعه للمغامرة . فبكّر صباحاً مع بزوغ الفجر وبدأ رحلته شمالاً فاجتاز مدينة الخليل ثم بيت لحم ثم مدينة يبوس التي هي القدس اليوم واستمر ماشياً إلى أن غربت الشمس عليه في بريةٍ قاحلة فافترش التراب وتناول حجراً ووضعه تحت رأسه كوسادةٍ وقبل أن ينام بدت البرية من حوله مُرْعِبة وشبح أخيه يطارده.وأثناء نومه تعامل الله معه عن طريق هذا الحلم الذي سمعنا بعضاً من تفاصيله .
لا نبعد عن الحقيقة لو قلنا أن ظروفاً كهذه هي أنسب الظروف التي يتدخل فيها الله ليصحح المسار الخاطىء في حياة الفرد أو الأُمة !.. لأنه في الضجيج والصخب ، قد لا يُسمعُ صوت الله واضحاً ولكنه يُسْمع في الخلوة وفي الهدوء بعيداً عن زحمة الناس وضجيجهم .
فعندما تنهار الحصون الذاتية التي نتمنَّع فيها بكبرياء ...
وعندما تسقط الأعمدة التي اتخذنا منها أصناماً نرتكز عليها بغير حق ..
وعندما تُنْزع الدروع الوهمية وأسلحة الدفاع الجائرة التي نَتَسَتَّرُ وراءها من دون الله
وعندما تسقط الأقنعة ويتعرى الانسان من تدابيره الباطلة ومن ثياب نفاقه ..
وعندما يفشل المرء في الاعتماد على البطانه التي تحيط به من المستضعفين والعبيد
عندها يتدخل الله ، ويعلن رؤياه ، ويُسمع صوته بوضوح .
وعندما يتدخل الله تنفرج الأزمة وترتاح النفس باطمئنانٍ ، فينتفي الخوف ، وتبدأ الحياة بنشاطٍ وأمل .
وهذا ما حصل مع يعقوب. فهو اليوم لوحده شريدٌ طريد . وقد انهارت أمام وجهه كلُّ الأركان التي كان يعتمد عليها في بيت أبيه ، فالرعب يحيط به ... والمستقبل يبدو غامضاً ولم يبق له إلا أن يستسلم لما سيكون ...
وهنا ظهر له الله برؤيا السلُّم . فقبل بزوغ الفجر بوقتٍ ما جاءته الرؤيا ، سُلَّمٌ منصوبةٌ تصل الأرض بالسماء ، وسكة السّلَّم تعجُّ بأزمةٍ مرورية رُوَّادها ملائكة الله صاعدون ونازلون عليها يشكلون صلة الوصل بين الأرض والسماء ، ويؤدون خدماتِهِم بدقةٍ وانتظام . وفي رأس السلّم تراءى له الرب في حزمةٍ من النور ، ويعقوب في قعر السلّم في ذهولٍ أمام هيبة المشهد وجلاله.
ثم خاطبه الرب قائلاً : أنا الرب إله ابراهيم أبيك وإله اسحق . ها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب ، وأردك إلى هذه الأرض ، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به .
هنا زاد الانفعال في قلب يعقوب ... فهو لم ير رؤيا في حياته ... ولم يشاهد معجزة .. و لم يتقابل شخصياً مع إله أبيه من قبل ، وإنما كان يقتات روحياً على فتات ما كان يسمعه من قصص اختبارات أبيه اسحق الروحية...
فالمعلومات الدينية كانت بالنسبة له عبارة عن أخبار مُخَزَّنة في رأسه لم تصل بعد إلى قلبه ، ولم تتفاعل بعد مع حياته الشخصية . شأنه شان الكثيرين من المسيحيين الذين ينتمون للعقيدة شكلاً دون تفاعلٍ مع الله باختيار شخصي . بمعنى أن يعقوب في سابق حياته حتى الآن لم يكن بعد قد ارتبط بعلاقةٍ شخصية مع الله . والآن ولأول مرة يتقابل يعقوب مع الله من خلال هذه الرؤيا ويبدأ التفاعل معه.
كثيرون من المسيحيين اليوم يعيشون هذا الحال … معلومات مسيحية في رؤوسهم لم تنـزل بعد إلى قلوبهم ، ولم تتفاعل مع حياتهم . و عندما يسألهم أحد عن عقيدتهم ليس لهم ما يجيبون به!..
وبعد أن أسدل الستار عن مشهد الرؤيا المهيب ، استيقظ يعقوب من نومه ونهض وهو مازال تحت تأثير الرؤيا وقال : حقاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم .
وخاف بسبب الشعور بمحضر الله لأول مرة وقال : ما أرهب هذا المكان ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء . ونذر نذراً قائلاً : إن كان الله معي ، وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه ، ورجعت بسلام إلى بيت أبي ، يكون الرب لي إلهاً .
ثم أخذ الحجر الذي توسَّده وأقامه عموداً وصبَّ زيتاً على رأسه ( أي دشَّنه / بمعنى أرسى حجر الأساس له ) قائلاً : هذا الحجر الذي أقمته عموداً يكون بيت الله . وكل ما تُعطيني ( يا رب ) فإني أعشّرهُ لك . فبعد هذه المعاهدة التي ارتبط بها يعقوب مع الله تشجع ، وأدرك أنه ليس وحيداً في غربته ، بل اختار أن يكون الله له رفيقاً بل الأصح أن هو يبدأ حياته في رفقة الله من الآن . ثم بكَّر مع انبلاج الفجر وواصل رحلته شرقاً باطمئنان إلى بيت خاله في أرض العراق .
وهكذا بدأ يعقوب لأول مرّه في حياته خطَّ سيرٍ جديدٍ مع الله ، وهذا لايعني أنه حتماً صار كاملاً بل يعني أنه بدأ بالخطوة الأولى في السير مع الله . وهي بداية حسنة ولو أنه وقع فيما بعد بأخطاءٍ وعيوبٍ وتعثر استوجب عليها التأديب والعقاب .
والآن قارئى الكريم ... .
السؤال الأهم الذي أتركه في ذهنك : ما سرُّ هذا السلّم ؟.. وما الذي يرمز إليه ؟.. وما معنى أن الملائكة كانت صاعدة ونازلة عليه ؟.. ألا تستطيع الملائكة أن تطير بأجنحتها المعتادة وتصل إلى أي مكانٍ تُرسلُ إليه بلا سلّم ؟..
علمنا أن رأس السلّم كان في السماء وقاعدة السلّم على الأرض ، فهل يعني ذلك أن طريقاً أو سراطاً قد شُيِّدَ ليصل الأرض بالسماء ، وهل السلّم وما يرمز إليه قد صار وسيطاً بين سكان الأرض ومن في السماء . وهل كانت رؤيا السلّم مجرد رؤيا لاستمتاع يعقوب أو لترهيبه أم كانت تحمل رسالة لمن يطّلع على حيثياتها من الشعوب … نريد أن نعرف ؟.. ثم هل مازال السلّم قائماً حتى الآن؟.. وهل من سلالم أخرى تقوم بذات الخدمة ؟.. أو لعل هناك سلالم من صناعة البشر توهم الناس أن توصلهم لى رب العباد ساكن السماء فتضلهم
هذا المشهد الجميل تراءى ليعقوب ابن اسحق وهو نائم في بريةٍ قاحلة ، بعد هروبه من وجه أخيه عيسو قاصداً ديار خاله لابان في أرض العراق .
فالذي أمامنا الآن هو سلّم قائم ، رأسه عالٍ يخترق منطقة النجوم ليصل إلى السماء حيث عرش الله ، وقاعدة السلّم منصوبةٌ على الأرض ، والرب بجلاله يتراءى في حزمةٍ من النور في رأس السلّم . وهناك صفان من الملائكة الأطهار يَرفُّون بأجنحةٍ ذهبية ، صفٌ صاعدٌ ، وصفٌ نازل في حركةٍ دائمةٍ تشد الأبصار .
ومما لاشك فيه أن السلّم بالصورة التي ظهر فيها كان يحمل رسالةً هامة فالله لا يجري معجزة إلا ويكون لها رسالة نافذة. والرسالة هنا تَتَمَثَّلُ في أنَّ السلّم شَكَّلّ صلة الوصل بين طرفين متباعدين فَصَلَتْ بينهما هوةٌ عميقة. فالطرف الأول هو السماء مسكن الله القدوس ، والطرف الثاني هو الأرض مسكن بني آدم الخطاه الذين انفصلوا عن الله حين طردوا من الجنة ... بكلماتٍ أوضح السلّم شكّل جسراً ما بين أرضٍ نسكنها سادها الفساد والاثم والنفاق والتدين الكاذب ، والخوف من المجهول.. وسماءٍ طاهرة نقية عالية يسكنها الله ذو الجلال والقدسية ، والسلّم ما بين الطرفين وسيطٌ للتقارب والتلاقي يشكل جسراً للمصالحة ...
يذكرني هذا بقول الوحي في انجيل الحق عن المسيح بأنه الوسيط الوحيد بين الله والناس ، ويذكرني أيضاً بأن المسيح هو الوحيد الذي عبر هذا الطريق الطويل الطويل بين السماء والأرض مرة حين جاء من السماء واستقر في أحشاء العذراء مريم / ومرة حين صعد في وضح النهار أمام عيون تلاميذه وغادر إلى السماء / وهو هو الوحيد الذي سيعود إلى أرضنا قريباً آتٍ من السماء. فهو إذاً الوحيد الذي يتنقّل بين السماء والأرض بحريةٍ مطلقة، ويشكل صلة الوصل بين طرفين متباعدين ليصالح الاثنين معاً الله والانسان ..
ويعقوب في هذا المشهد يمثل الطرف البشري بكل ما في البشرية من انحراف واعوجاج ونفاق والسلّم وُجد لإنقاذ يعقوب من واقعه المتردِّي ..والمبادرة جاءته من الله حين مدّ له جسراً للعبور يصل بينه وبين الله ، فإن استجاب يعقوب لمبادرة المولى نجا وخَلُصَ ووجد أمناً ، وإن رفض تحمل مسئوليته ... ولكن يعقوب استجاب ونهض وقال : حقاً إن الرب في هذا المكان . ما أرهب هذا المكان ما هذا إلا بيت الله . وهذا باب السماء .
قارئى العزيز . .
هذا عين القصد الذي جاء المسيح لأجله . فالمسيح ما جاء إلا ليصنع من جسده المصلوب جسراً للعبور يربط الأرض بالسماء ، صانعاً سلاماً ليصالح الاثنين معاً بالصليب ، قاتلاً العداوة بين طرفي النزاع ، السماء والأرض / الله والانسان . هل وضحت لك الصورة ؟..
لا أنسى يوماً مشهداً رأيته في بداية إيماني قبل سنين عديدة والمشهد تمثل أمامي بلوحةٍ تحمل صورة قطار يجرُّ خلفه عدة عرباتٍ مكشوفة ، ازدحمت بالركاب . بدى القطار يسير بسرعةٍ هائلة نحو منحدرٍ خطيرٍ ينتهي إلى هوة سحيقة لوادٍ مرعب ، فكان القطار بذلك يسرع إلى هلاك محتوم لكل ركابه .
وفي جانب آخر من اللوحة لفت انتباهي رؤيةُ أفرادٍ أقلاء قفزوا من بين ركاب القطار وساروا باتجاه جسرٍ خشبي ممتدٍ فوق الهوة المرعبة مشوا عليه إلى منطقة أمانٍ في الجهة المقابلة من كتف الهوة . وراح هؤلاء يمرحون ويهزجون بعيداً عن الخطر ، بينما ابتدأ زملاؤهم في القطار المتدهور يتساقطون إلى عمق الهوة المرعبة وهم يصرخون ...
ولما دققت النظر لأفهم المغزى لهذا المشهد ، لاح لي منظر صليب طويل مطروح فوق الهوة هو الذي شكّل الجسر ما بين طرفي هوة الهلاك ، استطاع الناجون أن يسلكوا عليه ويعبروا إلى منطقة الأمان بينما بقى الآخرون من رفاقهم داخل عربات القطار المتدهور وقد فاتتهم فرصة النجاة فسقطوا في هوة الهلاك .
فالصليب الممتد فوق الهوة كان للناجين جسر عبورٍ منحهم النجاة والحماية والحياة والخلاص من هلاكٍ محتوم .
لعل في هذه الصورة التي أنقلها لقارئى ، ما يُعطي توضيحاً لمعنى وجود الصليب في العقيدة المسيحية . فصليب المسيح ليس وهماً ولا هو قصة مختلقة من صنع البشر بل الصليب صار للعالم جسر النجاة من هلاك يوم الدين ، والمسيح المصلوب رصف بصليبه السراط الآمن للبشر لملاقات الله في يوم الدين بأمنٍ وسلام . وهذا ما يفسِّر قوله:
" أنا هو الطريق والحق والحياة . ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ".
واسمعه يقول :" الحق الحق أقول لكم إن الذي لا يدخل من الباب إلى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص . أنا هو الباب ، إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى .
ثم لاحظ قارئى الكريم . . أنَّ سلّم يعقوب الذي شاهده في رؤياه كان بمبادرة من السماء فالسلّم نزل إليه من فوق ولم يكن من أخشاب الأرض وصناعتها ، وكذلك المسيح فهو نزل من السماء إلى أحشاء العذراء الطهور فلم ينبت من تراب الأرض كغيره . والدليل أنه بقي ضيفاً بيننا في الأرض إلى أن ارتفع إلى السماء بهيئة منظورة على مرأىً ومشهد من تلاميذه ، فهو بعد أن أنهى مهمته التي جاء لأجلها في الأرض عاد إلى السماء التي منها جاء ، فلا قبر له هنا يحوي جثه أو بقايا جثمان كغيره من أنبياء الله ..
قال مرة لليهود في جدالهم له : أنتم من أسفل . أما أنا فمن فوق . أنتم من هذا العالم ، أما أنا فلست من هذا العالم .
فالمسيح بمجيئه لأرضنا قبل ألفي عام بنى من صليبه كوبرى (جسراً) ليعبر بنا من الأرض للسماء. وهو أعطى الفرصة لكل شعوب الأرض أن تأتي وتَعْبر من خلال صليبه لتعقد صُلحاً مع الله لتعود للفردوس الذي خسرته يوم سقطة آدم حين طرد من الجنة .
ولذلك صار الصليب أداة رحمةٍ وجسر عبورٍ للقاء الله ، ولم يعد الصليب أداة موتٍ بل وسيلة حياةٍ وإنقاذٍ .
فالسلّم هو المسيح ، والسلَّم مازال قائماً يمكن لأيٍ أن يتقدم منه ويتدرَّج عليه خُطْوةً خطوة . وهو قريبٌ منك لا يحوجك أن تفتش عليه لأنه أقرب إليك من حبل الوريد أينما كنت .وقبل أن أُنهي هذه المقالة
لابد من القول أنَّ هناك سلالم كثيرة من صنع البشر تحاول الوصول إلى الله فتوهم من يتبعها وتفشل . أما السلّم المرسل من الله فهو الطريق الآمن للوصول إليه فهل تقبلْهُ ؟..
الخيار أمامك ففي قبوله نجاح لك وأمان لأبديتك .. فاقبل نصيحتي وتعال للمسيح الآن واقبله فادياً ومخلّصاً لك . وإن فعلت تكرّم وأخبرني لأشاركك بفرحة النجاح والوصول الآمن ..