أُضحية الكفارة والفداء في المسيحية

مقدمة

جميعنا يقوم بالتضحية ، البعض يضحي كثير والبعض يضحي قليل ، فالأم تضحي من أجل طفلها .. تستيقظ في منتصف الليل لتطعمه ، والأب يعمل لساعات طويلة ليوفر الطعام لأسرته ، وكذلك الأزواج والزوجات غالبا ما يقوم الواحد منهم بالتضحية لإسعاد الآخر، وأيضا الأصدقاء والجيران .. فالتضحية مهمة .. وهي جزء لا غني عنه في الحياة.

قد نشعر أحيانا بالرضا لأننا قمنا بتضحية معينه لأجل شخص ما ، تري هل يدفعنا هذا الكلام لان نبحث عن مصدر التضحية أو الفداء اللذان يحاصران كل واحد منا في حياته اليومية ، بل وتمتد أيضا لكي تؤثر في أبديتنا .

لعل الكلمات القليلة الآتية يا صديقي تكون خطوة علي طريق بحثنا في فكرة الأضحية والفداء …

نشأة الفداء :

عندما أكل أبونا آدم من الشجرة المنهي عنها مات موتا أدبيا ، لم ينفذ الله فيه وقتئذ حكم الموت الجسدي الذي انذره به في حالة العصيان ، بل أنقذه من هذا الموت ، وأنقذه أيضا من الموت الأبدي الذي هو العقاب الأبدي الذي كان سيتعرض له في العالم الأخر ، وذلك عن طريق توقيع حكم الموت علي حيوان عوضا عنه ، ورغم أن هذه الذبيحة الحيوانية في حد ذاتها غير كافيه للفداء ، لكن لأنها كانت رمزا إلى ذبيحة عظمي في نظر الله ، لذلك اكتسبت وقتئذ شرعا قوة الفداء .

لذلك نجد أن في عصر الآباء وهو العصر الذي عاش فيه المؤمنون بالله قبل نزول أي شريعة من لدنه ، فقد كانوا يتقربون إليه ويتعبدون لله علي أساس الذبيحة التي سلم مبدأها لآدم عندما سلم بذبحها نيابة عنه :

  1. فهابيل قدم ذبيحة لله إذ يذكر لنا الوحي انه قدمها من أبكار غنمه ومن سمانها ( تكوين 4 : 4 ) مؤمنا بأن علي أساسها يرضي الله عنه ولهذا فقد شهد الله عنه أنه بار ( عب 11 : 4 ) .
  2. ونوح بعد خروجه من الفلك بني مذبحا للرب واخذ من كل البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة واصعد محرقات علي المذبح ، فتنسم الله رائحة الرضا . ( تكوين 8 : 21 )
  3. وإبراهيم أبو المؤمنين عندما ظهر له الله بالقرب من شكيم ، بنى مذبحا هناك ولما حل بعد ذلك شرقي بيت إبل بني مذبحا آخر لله (تكوين 12 : 6 – 8 ) ، وعندما نقل خيمته إلى بلوطات ممرا ، بني هناك مذبحا ثالثا ( تكوين : 13 : 18 ) ، وبناء هذه المذابح دليل علي أن إبراهيم كان يقدم عن نفسه ذبائح لله ودليل أيضا علي انه كان يعبد الله ويكرس حياته له ، فضلا عن ذلك فان الله عندما طلب منه أن يقدم ابنه ذبيحة ، لم يتردد لحظة واحدة ، لكن نظرا لان هذا الطلب كان مجرد امتحان ، أراه الله كبشا ، فقدمه إبراهيم ذبيحة عوضا عن ابنه أو فديه عنه ( تكوين 22 : 13 ) .
  4. وكذلك فعل أيضا اسحق ( تكوين 26 : 25 )
  5. وأيضا ولده يعقوب ( تكوين 23 : 2 ) ، ( تكوين 35 : 1 – 8 ) ، ( تكوين 46 : 1 ) .
  6. ومثلهم أيوب الصابر ، فكان من عادته أن يصعد ذبائح بعدد أبنائه لله ، ليفديهم بها من قصاص ما يمكن أن يكون قد صدر منهم من خطأ في تصرفاتهم ( أيوب 1 : 5 ) حتى لا يقع هذا القصاص عليهم .

فمما تقدم يتضح لنا أن المبدأ الذي علي أساسه كان الله يظهر الرحمة للبشر ( حتى الذين اصطفاهم من بينهم ) هو اعترافهم بأنهم خطاه وانهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم ، ثم تقديمهم بعد ذلك الذبائح عوضا عن نفوسهم .

الفداء في اليهودية :

يشمل هذا الفداء الذبائح التي كان يقدمها بنو إسرائيل وفق الشرائع التي أعلنها الله لموسى النبي وكانت هذه الذبائح تنقسم إلى قسمين رئيسين :-

  1. الذبائح العامة : وهي الذبائح القومية التي كانت تقدم إلى الله في كل يوم وفي كل موسم من المواسم الدينية ( سفر العدد 19 – 29 ) .
  2. الذبائح الشخصية : وهي الذبائح التي كان يقدمها الأفراد وكل حسب الظرف الذي يجتاز فيه أقرأ ( لاويين 1 – 15 ) ، وما يجب ملاحظته هو أن هذه الذبائح بصفة عامه كان من الواجب أن تكون بلا عيب ، فالحيوان الأعمى أو المكسور أو المجروح أو البثير أو الأجرب أو مرضوض في الخصية أو مسحوقها أو ….. أو ….. لم يكن يسمح بتقديمه ذبيحة لله ( لاويين 22 : 21 – 25 ) وكان ذلك رمزا إلى أن الفادي الذي يصلح أن يكون كفارة عن الناس يجب أن لا يكون طاهرا فقط بل وان يكون كاملا من كل الوجوه أيضا ، ولكن نظرا لانتشار الذبائح في الوثنية واليهودية معا ، ظن بعض الناس أن اليهود نقلوا عادة تقديمها من الوثنين الذين كانوا يختلطون بهم …. لكن هذا الظن لا نصيب له من الصحة بل العكس هو الصحيح إذ تسرب إلى الوثنيين الاعتقاد بوجود تقديم الذبائح الحيوانية لآلهتهم من أجدادهم الأوائل وهو حام وسام ويافث لأن هؤلاء هم الذين تكونت منهم الأجناس البشرية من آسيا وأفريقيا وأوروبا علي التوالي ، كما يتضح من الكتاب المقدس وكتب الجغرافية البشرية فسام وحام ويافث هؤلاء كانوا بحكم علاقتهم بابيهم نوح يعرفون وجوب تقديم الذبائح لله ( تكوين 6 : 10 ) لكن علي مر الأيام نسي أبناؤهم ( الذين عرفوا فيما بعد بالوثنيين ) المولي جل شأنه وبقي اسمه فقط عالقا بأذهانهم لذلك كانوا يطلقون علي الكائنات التي تخيلوا أنها تتصف بصفاته ، ومن ثم كانوا يقدمون الذبائح والقرابين إليها وفقا للمراسم التي اخترعوها ، هذا ومن المحتمل أن يكون المفكرون منهم مثل سقراط وأفلاطون رأوا وجوب تقديم هذه الذبائح نتيجة لشعورهم الشخصي بشناعة الخطيئة ، ورغبتهم في تجنب القصاص الذي يستحقونه من العدالة الإلهية بسببها ، وبذلك سرت عادة تقديم الذبائح بين بعض الوثنيين .

أهمية سفك دم الذبائح للحصول علي الغفران :

تعتري بعض الناس دهشة عظيمة عندما يرون الأضاحي الكثيرة التي كانت ولا تزال تقدم في معظم بقاع الأرض لكن لا داعي للدهشة علي الإطلاق عندما تعرف أنها كانت الوسيلة الوحيدة للحصول علي الصفح الثمين عن الخطية وذلك عن طريق الفدية ، فقد قال الله لموسى النبي "لأن نفس الجسد هي في الدم ، فأنا أعطيتكم إياه علي المذبح للتكفير عن نفوسكم لان الدم يكفر عن النفس " (لاويين 17:11).

وبالرجوع إلى الكتاب المقدس تعرف أن الله رفض قربان أخي هابيل لأنه لم يكن ذبيحة دموية بل كان من ثمار الأرض ، فقال الوحي عن الله " إلى قايين وقربانه لم ينظر " (تكوين 4 : 5 ) .

وقد حرم الله شرب الدم منذ القديم لنفس السبب كما في ( لاويين 17 : 10 ، تكوين 9 : 3 ، 4 ، خر 22 : 31 ) وكذلك علمت المسيحية بالنهي عن شرب الدم واكل لحم الحيوان الذي لم يسفك دمه فقال الرسول للمؤمنين " وان تمتنعوا عن الدم المخنوق " ( أعمال 15 : 29 ) .

الشروط الواجب توافرها في الفدية :

1- يجب أن تكون علي الأقل مساوية في قيمتها للشيء ( أو الشخص ) المطلوب فداءه .

2- يجب أن تكون الفدية معادلة في قيمتها لكل هؤلاء الناس المطلوب فداءهم علي مر السنين .

3- يجب أن تكون الفدية من جنس الذين ينوب عنهم – لذا وجب أن يكون إنسانا .

4- يجب أن يكون هذا الإنسان خاليا من الخطية خلوا تاما وإلا احتاج هو نفسه لمن ينقذه ويفديه .

5- بل يجب أن يثبت بالدليل العملي انه معصوم من الخطيئة .

6- يجب أن يكون الفادي غير مخلوق لكي يكون من حقه أن يقدم بإرادته نفسه التي يملكها كفارة .

7- يجب أن تتوفر فيه القدرة علي أن يبعث فينا أيضا حياة روحية ترقي بنا لدرجة التوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية ، وليس من يتصف بهذه الصفات أو يستطيع القيام بهذه الأعمال سوي الله ، فهل هذا الفادي بجانب إنسانيته الممتازة انم يكون هو الله ؟‍ حقا انه لسؤال خطير ، لكن جوابه واضح كل الوضوح ، ولا مفر منه علي الإطلاق .

إمكانية تحقيق الشروط السابقة :

أ- إن اتخاذ الله ناسوتا من جنسنا ليكون فاديا لنا ، علاوة علي انه أمر لا يتعذر عليه القيام به فانه باتخاذه هذا الناسوت :

  1. لا ينحصر في مكان ما لان اللاهوت لا يحده حيز ما ، إذن وجوده في مكان لا يمنع وجوده في مكان آخر في نفس الوقت .
  2. أنه باتخاذه هذا الناسوت لا يفقده شيئا من مجده الذاتي لأن هذا المجد لا يتعرض للزيادة أو النقصان علي الإطلاق .
  3. إن اتخاذه هذا الناسوت أمر تتطلبه رغبته في أن تكون لنا جميعا علاقة حقيقية معه ، إذ لا يمكن أن تقوم لهذه العلاقة قائمة إذا ظل بعيدا عن مداركنا ، وظللنا نحن بعيدا عن التوالف معه .

( الناسوت مصدر من الإنسان مراد به الطبيعة البشرية بما يحتويه من جسد ونفس وروح ، أما كلمة اللاهوت فيراد بها جوهر الله ، وجوهر الله عين ذاته لأنه لا تركيب فيه علي الإطلاق أما الألوهية فهي مصدر منسوب إليه تعالي ).

ب- والشرط الخاص بخلو هذا الناسوت من أي ميل للخطية لا يستحيل تحقيقه ، لأن الله عندما يتخذ لنفسه ناسوتا لا يحتاج الأمر في تكوينه إلى بذرة حياة من رجل ما ، لأنه هو الحياة نفسها ، وبما أن الطبيعة التي تميل إلى الخطيئة لا تنتقل إلى الإنسان إلا بواسطة التناسل الطبيعي ، إذا من البديهي أن يكون هذا الناسوت خاليا من الطبيعة المذكورة ، ويكون أيضا بسبب كماله الذاتي قادرا علي أن يكون معصوما من السقوط في الخطيئة ، وهكذا ….

فمما تقدم نري أن الشروط الواجب توافرها في الفادي ليست معقولة فقط ، بل ويمكن تحقيقها بوسيلة معقولة أيضا .

أدلة كتابية علي قيام الله وحده بهذا الفداء الكفاري :

  1. قال موسى النبي لله :- " اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب " ( تثنية 21 : 8 ) ومن هذه الآية يتضح لنا انه لا غفران إلا بعد الفداء وهذا يتفق مع الحق كل الاتفاق .
  2. قال حزقيال الملك التقي : " الرب صالح يكفر عن كل من هيأ قلبه لطلب الله " ( 2 أخ 30 – 18 ، 19 )
  3. وقال داود النبي عن الله : " الذي يفدي من الحفرة حياتك ، الذي يكللك بالرحمة والرأفة " ( مز 103 : 4 ) ، ولذلك خاطب الله بالقول " معاصينا أنت تكفر عنها " ( مز 65 : 3 )
  4. وقال الله علي لسان أشعياء : " أله بار ومخلص ليس سواي ( اشعياء 45 : 21 ) والبار هو العادل ، والمخلص هو الرحيم ومن ثم لا سبيل إلى الجمع بينهما إلا إذا قبل المخلص تحمل نتائج خطايانا عوضا عنا تحقيقا للعدالة ، وإلا كان الخلاص رحمه له سند لها من العدالة ومن ثم لا تكون ثابتة أو راسخة .
  5. وقال داود النبي : بروج النبوة عن لسان السيد المسيح قبل 1000 سنه من الميلاد :" أكثر من شعر رأسي الذي يبغضونني بلا سبب ( مشيرا إلى كراهية اليهود للمسيح وصلبهم إياه ) ، حينئذ رددت الذي لم اخطفه " ( مز 69 : 4 ) قاصدا بذلك أن المسيح مع انه لم يخطف شيئا أو بالحري لم يسلب الله حقا من حقوقه فقد رد بنفسه لله ما قام البشر بسلبه وخطفه موفيا مطالب عدالة الله وقداسته في نفسه نيابة عنهم .
  6. وقال أيضا أشعياء النبي بروح النبوة عن السيد المسيح قبل 700 سنه من الميلاد " وهو مجروح لأجل معاصينا ( وليس معاص أرتكبها هو ) مسحوق لأجل آثامنا ( وليس لآثام اقترفها هو ) تأديب سلامنا عليه ( أي وقع عليه ما كنا نستحقه من قصاص ليتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه ) وبجرحه شفينا ( أي بجروحه شفينا من مرض الخطية القاتل ) كلنا كغنم ضللنا ، ملنا كل واحد إلى طريقة ، والرب وضع عليه أثم جميعنا " ( أشعياء 53 : 5 ، 6 ) وذلك عوضا عن أن يبقيه علينا ويحملنا مسئوليته وقصاصه .
  7. كما قال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم : " ستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ( مت 1 : 21 ) ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير عنها ، فيكون المسيح هو الشخص الذي يكفر عن الخطايا .
  8. لذلك قالت العذراء مريم عن الله " اله مخلصي " (لوقا 1 : 47) قاصدة بذلك انه مخلص لها من أجرة الخطية .
  9. وقال زكريا الكاهن (أبو يوحنا المعمدان ) متنبئا عن فداء الله في المسيح : " مبارك الرب اله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه " (لوقا 1 : 68 ) فيكون المسيح هو الفادي الذي يخلص البشر من خطاياهم .
  10. وقال بطرس الرسول إن " الذي مثاله يخلصنا " ( 1 بطرس 3 : 21 ) و"أنكم افتديتم لا بأشياء تفني بفضه أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء ، بل بدم كريم كما في حمل بلا عيب ولا دنس ، دم المسيح معروفا سابقا قبل إنشاء العالم " . ( 1 بطرس 1 : 18 – 20 )

وغير هذا الكثير جدا جدا من الأدلة والنبوءات التي لم نتطرق إليها ومنها علي سبيل المثال تاريخ مجيء المسيح الذي حددته نبوة دانيال التي أخذها عن الملاك جبرائيل حوالي 550 سنه قبل ميلاد المسيح .

أدلة موت المسيح الكفاري قبل قيامته وصعوده :

  1. قبول المسيح للموت بإرادته : فكان بوسعه أن يتجنب الصلب (لو شاء أن يتجنبه ) يوحنا 16 : 28 ومتي 26 : 53 ولوقا 4 : 30 ويوحنا 8 : 59 ويوحنا 7 : 6 .
  2. لكن إذا رجعنا إلى تاريخ المسيح نري :

    أ - أن تلاميذه حاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى أورشليم خوفا عليه من عدوان اليهود وبطشهم (يوحنا 11:8 – 10 ) ، ومع ذلك ثبت وجهه للذهاب إليها ( لو 9 : 51 ) .

    ب _ أن الجنود الذين أتوا للقبض عليه سقطوا علي وجوههم أمام هيبته ، ومع ذلك لم يستثمر هذا الظرف ليسيطر عليهم ويضمهم تحت لوائه ، بل اسلم نفسه بإرادته لهم ( يوحنا 18 : 6 ) .

    ج _ أن التلاميذ لم يكونوا عزلا من السلاح بل كان معهم سيفان ، ومن المحتمل أيضا انه كان معهم عدد من السكاكين التي كانوا يستعملونها وقتئذ في ذبح خراف الفصح كعادتهم ، ومع ذلك لم يسمح المسيح لهم باستعمال أي وسيلة من وسائل الدفاع ، إذ عند ما رفع بطرس سيفه وهوي به علي أحد اتباع كهنة اليهود ، قال المسيح له : " أجعل سيفك في الغمد " .

  3. حزن المسيح قبل الصليب : إذا رجعنا إلى التاريخ نري أن القديسين الشهداء كانوا يقابلون الصلب والطرح في النيران بالفرح والابتهاج ، ونظرا لأن المسيح فضلا عن كونه اعظم منهم شجاعة واحتمالا بدرجة لا حد لها بسبب قداسته المطلقة ، فهو الذي قدم نفسه للصلب بمحض إرادته كما اتضح لنا قبلا ، ولك آلام الصلب التي كان ينتظرها كانت اقسي بدرجة لا حد لها من آلام الصلب العادية إذ أنها كانت آلام الكفارة التي نستحقها إلى الأبد بسبب خطايانا لأن هذه الآلام لا نهاية لهولها ومن ثم فانه له المجد بم يحزن بسبب خطيه ارتكبها بل بسبب الخطايا التي ارتكبناها نحن جميعا شخصا …. شخصا .
  4. انتشار الظلام علي الأرض : فعندما كان المسيح معلقا علي الصليب غطي الظلام واستمر هذا الظلام ثلاث ساعات متتالية من الساعة السادسة من النهار إلى التاسعة منه ، وكان هذا الظلام نتيجة لهبوط سحابة كثيفة سوداء ، والسحابة كما يتضح من الكتاب المقدس رمزا لحضور الله وتداخله في شئون البشر ( عد 11 : 25 ) واللون الأسود كما تعلم رمز الأسى العميق أو الغضب المريع وليس هناك شئ يدعو إلى الأسى العميق سوي الخطية ، وليس هناك ما يدعو الله لإظهار الغضب المريع سواها ، ومن ثم فالمسيح ولا شك كان يحمل وقتئذ خطايا البشرية أو بعبارة أخرى كان يكفر عنها.
  5. تزلزل الأرض وتشقق الصخور : وكما لم يكن الظلام الذي خيم علي الأرض عند صلب المسيح لم يكن طبيعيا بدراسة الظواهر والفلك والتاريخ …. فأن الزلزلة التي حدثت وقتئذ لم تكن طبيعية أيضا بكل المقاييس .
  6. والزلازل عندما يحدث بخلاف نواميس الطبيعة تكون من علامات الدينونة الإلهية (متي 24 : 7 ، رؤيا 8 : 5 ) وهذه الدينونة كانت قد حققت وقتئذ علي اليهود والرومان لأن شرهم كان قد بلغ أقصاه ، إذ أساءوا إلى مصدر النعم والإحسان واظهروا له العدوان (يوحنا 12 : 31 ) ، لذلك فموت المسيح لم يكن استشهاد فحسب بل وكفارة أيضا.

    وغير هذا من الأدلة الكثيرة جدا علاوة علي النبوات التي دونها الوحي المقدس من قديم الزمان لنتأكد منها عندما تحدث حتى أن اليهود الذين كانوا بجوار الصلب قرعوا علي صدورهم نادمين (لوقا 23 : 48) كما أن قائد المئة الروماني شهد أن المصلوب كان بالحقيقة هو ابن الله ، الأمر الذي يدل علي أن هاتين الحادثتين قد وقعتا فعلا علي مرأى منهم جميعا وانهم تأثروا تأثيرا بالغا.

  7. فالله سمح للبشر بصلب المسيح : لا لعجزه عن إنقاذه من أيديهم بل لأنه شاء أن يتمم فيه كفارته عنهم جميعا أما وقد اكمل هذه الكفارة بالتمام فطبعا لم يكن هناك داع أن يهان جسده الطاهر بعد ذلك ، بل كان من اللازم أن ينال كل إكرام وتبجيل ، نعم كان عتيدا أن يكرم ويبجل أيضا في أثناء موته ، بأثمن الأكفان فكان يجب أن يكفن بأغلى الحنوط وكان يجب أن يعطر وأيضا يدفن في قبر جديد منحوت في صخر ومحاط ببستان (يوحنا 19 : 39-41) وهو ما قد حدث كله بدقه .
  8. هدم الهيكل اليهودي : فقد كان الهيكل مفخرة اليهود العظمي فضلا عن أن بناءه تكلف حوالي مليار من الجنيهات الذهبية فقد كان الملجأ الوحيد الذي يهرعون إليه في ضيقاتهم ويقدمون الذبائح حسب الناموس المعطي لموسى النبي لكي ينالوا رحمة غفرانا ، لكن هذا الهيكل العظيم لم يبق له أثر بعد ارتفاع المسيح إلى السماء بسنوات ، إذ اقبل بنطس القائد الروماني واحرقه بل واقتلع أساسه من الأرض فتمت نبوة المسيح عنه انه لن يترك فيه حجر علي حجر لا ينقض (مت 24 : 2 ) .

وقد حاول اليهود إعادة بناء الهيكل المذكور مرات متعددة عبر ألفي سنة تقريبا فباتت كل محاولاتهم بالفشل ، وهذا دليل علي أن ذبائحهم كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح كالكفارة التي يدوم أثرها إلى الأبد .

نتائج قبول كفارة المسيح الكافية :

1. الغفران :

وقد قال الوحي علي لسان الرسل : " حتى ينالوا (أي البشر ) بالإيمان بالمسيح غفران الخطايا ونصيب المقدسين " (أعمال 26 : 18) .

2. التبرير :

ويراد به جعل البشر أبرارا أمام الله وكأنهم لم يرتكبوا خطيه علي الإطلاق وفي نفس الوقت عملوا كل البر الذي يريده منهم ، فكان أيوب الصديق وداود النبي يبحثان قديما عن هذا التبرير لم يجدا إليه سبيلا ، فتسأل الأول " كيف يتبرر الإنسان عند الله ؟ " (أيوب 25 : 4 ) وخاطب الثاني المولي قائلا : " فأنه لن يتبرر قدامك حي " ( مز 143 : 2 ) لكن التبرير الذي نظر هذان التقيان إليه كأمر لا يمكن الحصول عليه ، تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح ، فقد قال الرسل بالوحي للمؤمنين الحقيقيين : " متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح " ( رومية 3 : 24 – 28 ) .

3. التطهير :

قبل مجيء المسيح بمئات السنين كان أيوب الصديق يقول عن نفسه ، انه لو اغتسل في الثلج ونظف بالأشنان فانه يظل مذنبا (أيوب 9 : 30 ) وكان ارميا النبي يقول عن البشر انهم حتى إذا اغتسلوا بالنطرون ، فإن آثامهم لا تمحي أمام الله ( ارميا 2 : 22 ) (الأشنان والنطرون هي مواد منظفه قوية فالأولى معربه عن اليونانية والثانية هي كربونات الصوديوم ).

وقد تحقق هذا التطهير في كفارة المسيح الكافية إذ قال الرسول بالوحي المقدس عن المسيح : " صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا " ( عب 1 : 3 ) وأنه " احبنا وغسلنا من خطايانا بدمه " (رؤيا 1 : 5 ) والغسل هنا المقصود به إزالة آثر الخطية عن المؤمنين الحقيقيين .

4. الصلح والسلام مع الله :

كان أيوب يبحث عن شخص خال من الخطية ، في الوقت نفسه قادرا علي إبقاء مطالب عدالة الله حتى يستطيع أن يصالحه معه لكنه لم يعثر علي هذا الشخص إطلاقا ولذلك قال يائسا " ليس بيننا مصالح يضع يده علي كلينا ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه " (أيوب 9 : 33 – 34 ) ، ولكن تحقق هذا إذ قال الوحي المقدس " فإذ قد تبررنا بالإيمان ، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " (رومية 5 : 1 ، 2 )

5. الخلاص من الدينونة الأبدية :

كان اتقي الناس قديما يخشون الوقوف أمام عدالة الله (مز 143 : 2) ويفزعون من الوقائد الأبدية التي قضي بها (اشعياء 33 : 14 ) لكن بفضل كفاية كفارة المسيح ، أصبحنا لا نخش الدينونة ، بل ونثق كل الثقة أن لنا امتياز التمتع بالله في سمائه للابد ، فقد قال المسيح أن من يؤمن به لا يدان أمام العدالة الإلهية (يوحنا 3 : 18 ) .

وقد قال بولس الرسول بالوحي عن الخلاص من هذه الدينونة " أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا " ( 1يتموثاوس 1 : 12 – 15 ) .

6. الولادة الروحية :

وأهميتها هي في أن الوسائل البشرية تعجز عن إصلاح النفس فلا الصوم ولا الصلاة ولا حتى التوبة تستطيع أن تغير طبيعة الإنسان أو أن تصالح نفسه التي كسرتها الخطية .




العودة الي الصفحة الرئيسية