أُضحية الكفارة والفداء في المسيحية
مقدمة
جميعنا يقوم بالتضحية ، البعض يضحي كثير والبعض يضحي قليل ، فالأم تضحي من أجل طفلها .. تستيقظ في منتصف الليل لتطعمه ، والأب يعمل لساعات طويلة ليوفر الطعام لأسرته ، وكذلك الأزواج والزوجات غالبا ما يقوم الواحد منهم بالتضحية لإسعاد الآخر، وأيضا الأصدقاء والجيران .. فالتضحية مهمة .. وهي جزء لا غني عنه في الحياة.
قد نشعر أحيانا بالرضا لأننا قمنا بتضحية معينه لأجل شخص ما ، تري هل يدفعنا هذا الكلام لان نبحث عن مصدر التضحية أو الفداء اللذان يحاصران كل واحد منا في حياته اليومية ، بل وتمتد أيضا لكي تؤثر في أبديتنا .
لعل الكلمات القليلة الآتية يا صديقي تكون خطوة علي طريق بحثنا في فكرة الأضحية والفداء …
نشأة الفداء :
عندما أكل أبونا آدم من الشجرة المنهي عنها مات موتا أدبيا ، لم ينفذ الله فيه وقتئذ حكم الموت الجسدي الذي انذره به في حالة العصيان ، بل أنقذه من هذا الموت ، وأنقذه أيضا من الموت الأبدي الذي هو العقاب الأبدي الذي كان سيتعرض له في العالم الأخر ، وذلك عن طريق توقيع حكم الموت علي حيوان عوضا عنه ، ورغم أن هذه الذبيحة الحيوانية في حد ذاتها غير كافيه للفداء ، لكن لأنها كانت رمزا إلى ذبيحة عظمي في نظر الله ، لذلك اكتسبت وقتئذ شرعا قوة الفداء .
لذلك نجد أن في عصر الآباء وهو العصر الذي عاش فيه المؤمنون بالله قبل نزول أي شريعة من لدنه ، فقد كانوا يتقربون إليه ويتعبدون لله علي أساس الذبيحة التي سلم مبدأها لآدم عندما سلم بذبحها نيابة عنه :
فمما تقدم يتضح لنا أن المبدأ الذي علي أساسه كان الله يظهر الرحمة للبشر ( حتى الذين اصطفاهم من بينهم ) هو اعترافهم بأنهم خطاه وانهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم ، ثم تقديمهم بعد ذلك الذبائح عوضا عن نفوسهم .
الفداء في اليهودية :
يشمل هذا الفداء الذبائح التي كان يقدمها بنو إسرائيل وفق الشرائع التي أعلنها الله لموسى النبي وكانت هذه الذبائح تنقسم إلى قسمين رئيسين :-
أهمية سفك دم الذبائح للحصول علي الغفران :
تعتري بعض الناس دهشة عظيمة عندما يرون الأضاحي الكثيرة التي كانت ولا تزال تقدم في معظم بقاع الأرض لكن لا داعي للدهشة علي الإطلاق عندما تعرف أنها كانت الوسيلة الوحيدة للحصول علي الصفح الثمين عن الخطية وذلك عن طريق الفدية ، فقد قال الله لموسى النبي "لأن نفس الجسد هي في الدم ، فأنا أعطيتكم إياه علي المذبح للتكفير عن نفوسكم لان الدم يكفر عن النفس " (لاويين 17:11).
وبالرجوع إلى الكتاب المقدس تعرف أن الله رفض قربان أخي هابيل لأنه لم يكن ذبيحة دموية بل كان من ثمار الأرض ، فقال الوحي عن الله " إلى قايين وقربانه لم ينظر " (تكوين 4 : 5 ) .
وقد حرم الله شرب الدم منذ القديم لنفس السبب كما في ( لاويين 17 : 10 ، تكوين 9 : 3 ، 4 ، خر 22 : 31 ) وكذلك علمت المسيحية بالنهي عن شرب الدم واكل لحم الحيوان الذي لم يسفك دمه فقال الرسول للمؤمنين " وان تمتنعوا عن الدم المخنوق " ( أعمال 15 : 29 ) .
الشروط الواجب توافرها في الفدية :
1-
يجب أن تكون علي الأقل مساوية في قيمتها للشيء ( أو الشخص ) المطلوب فداءه .2-
يجب أن تكون الفدية معادلة في قيمتها لكل هؤلاء الناس المطلوب فداءهم علي مر السنين .3-
يجب أن تكون الفدية من جنس الذين ينوب عنهم – لذا وجب أن يكون إنسانا .4-
يجب أن يكون هذا الإنسان خاليا من الخطية خلوا تاما وإلا احتاج هو نفسه لمن ينقذه ويفديه .5-
بل يجب أن يثبت بالدليل العملي انه معصوم من الخطيئة .6-
يجب أن يكون الفادي غير مخلوق لكي يكون من حقه أن يقدم بإرادته نفسه التي يملكها كفارة .7-
يجب أن تتوفر فيه القدرة علي أن يبعث فينا أيضا حياة روحية ترقي بنا لدرجة التوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية ، وليس من يتصف بهذه الصفات أو يستطيع القيام بهذه الأعمال سوي الله ، فهل هذا الفادي بجانب إنسانيته الممتازة انم يكون هو الله ؟ حقا انه لسؤال خطير ، لكن جوابه واضح كل الوضوح ، ولا مفر منه علي الإطلاق .إمكانية تحقيق الشروط السابقة :
أ
- إن اتخاذ الله ناسوتا من جنسنا ليكون فاديا لنا ، علاوة علي انه أمر لا يتعذر عليه القيام به فانه باتخاذه هذا الناسوت :(
الناسوت مصدر من الإنسان مراد به الطبيعة البشرية بما يحتويه من جسد ونفس وروح ، أما كلمة اللاهوت فيراد بها جوهر الله ، وجوهر الله عين ذاته لأنه لا تركيب فيه علي الإطلاق أما الألوهية فهي مصدر منسوب إليه تعالي ).ب
- والشرط الخاص بخلو هذا الناسوت من أي ميل للخطية لا يستحيل تحقيقه ، لأن الله عندما يتخذ لنفسه ناسوتا لا يحتاج الأمر في تكوينه إلى بذرة حياة من رجل ما ، لأنه هو الحياة نفسها ، وبما أن الطبيعة التي تميل إلى الخطيئة لا تنتقل إلى الإنسان إلا بواسطة التناسل الطبيعي ، إذا من البديهي أن يكون هذا الناسوت خاليا من الطبيعة المذكورة ، ويكون أيضا بسبب كماله الذاتي قادرا علي أن يكون معصوما من السقوط في الخطيئة ، وهكذا ….فمما تقدم نري أن الشروط الواجب توافرها في الفادي ليست معقولة فقط ، بل ويمكن تحقيقها بوسيلة معقولة أيضا .
أدلة كتابية علي قيام الله وحده بهذا الفداء الكفاري
:وغير هذا الكثير جدا جدا من الأدلة والنبوءات التي لم نتطرق إليها ومنها علي سبيل المثال تاريخ مجيء المسيح الذي حددته نبوة دانيال التي أخذها عن الملاك جبرائيل حوالي 550 سنه قبل ميلاد المسيح .
أدلة موت المسيح الكفاري قبل قيامته وصعوده :
لكن إذا رجعنا إلى تاريخ المسيح نري :
أ - أن تلاميذه حاولوا أن يمنعوه من الذهاب إلى أورشليم خوفا عليه من عدوان اليهود وبطشهم (يوحنا 11:8 – 10 ) ، ومع ذلك ثبت وجهه للذهاب إليها ( لو 9 : 51 ) .
ب _ أن الجنود الذين أتوا للقبض عليه سقطوا علي وجوههم أمام هيبته ، ومع ذلك لم يستثمر هذا الظرف ليسيطر عليهم ويضمهم تحت لوائه ، بل اسلم نفسه بإرادته لهم ( يوحنا 18 : 6 ) .
ج _ أن التلاميذ لم يكونوا عزلا من السلاح بل كان معهم سيفان ، ومن المحتمل أيضا انه كان معهم عدد من السكاكين التي كانوا يستعملونها وقتئذ في ذبح خراف الفصح كعادتهم ، ومع ذلك لم يسمح المسيح لهم باستعمال أي وسيلة من وسائل الدفاع ، إذ عند ما رفع بطرس سيفه وهوي به علي أحد اتباع كهنة اليهود ، قال المسيح له : " أجعل سيفك في الغمد " .
والزلازل عندما يحدث بخلاف نواميس الطبيعة تكون من علامات الدينونة الإلهية (متي 24 : 7 ، رؤيا 8 : 5 ) وهذه الدينونة كانت قد حققت وقتئذ علي اليهود والرومان لأن شرهم كان قد بلغ أقصاه ، إذ أساءوا إلى مصدر النعم والإحسان واظهروا له العدوان (يوحنا 12 : 31 ) ، لذلك فموت المسيح لم يكن استشهاد فحسب بل وكفارة أيضا.
وغير هذا من الأدلة الكثيرة جدا علاوة علي النبوات التي دونها الوحي المقدس من قديم الزمان لنتأكد منها عندما تحدث حتى أن اليهود الذين كانوا بجوار الصلب قرعوا علي صدورهم نادمين (لوقا 23 : 48) كما أن قائد المئة الروماني شهد أن المصلوب كان بالحقيقة هو ابن الله ، الأمر الذي يدل علي أن هاتين الحادثتين قد وقعتا فعلا علي مرأى منهم جميعا وانهم تأثروا تأثيرا بالغا.
وقد حاول اليهود إعادة بناء الهيكل المذكور مرات متعددة عبر ألفي سنة تقريبا فباتت كل محاولاتهم بالفشل ، وهذا دليل علي أن ذبائحهم كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح كالكفارة التي يدوم أثرها إلى الأبد .
نتائج قبول كفارة المسيح الكافية :
1. الغفران :
وقد قال الوحي علي لسان الرسل : " حتى ينالوا (أي البشر ) بالإيمان بالمسيح غفران الخطايا ونصيب المقدسين " (أعمال 26 : 18) .
2. التبرير :
ويراد به جعل البشر أبرارا أمام الله وكأنهم لم يرتكبوا خطيه علي الإطلاق وفي نفس الوقت عملوا كل البر الذي يريده منهم ، فكان أيوب الصديق وداود النبي يبحثان قديما عن هذا التبرير لم يجدا إليه سبيلا ، فتسأل الأول " كيف يتبرر الإنسان عند الله ؟ " (أيوب 25 : 4 ) وخاطب الثاني المولي قائلا : " فأنه لن يتبرر قدامك حي " ( مز 143 : 2 ) لكن التبرير الذي نظر هذان التقيان إليه كأمر لا يمكن الحصول عليه ، تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح ، فقد قال الرسل بالوحي للمؤمنين الحقيقيين : " متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح " ( رومية 3 : 24 – 28 ) .
3. التطهير :
قبل مجيء المسيح بمئات السنين كان أيوب الصديق يقول عن نفسه ، انه لو اغتسل في الثلج ونظف بالأشنان فانه يظل مذنبا (أيوب 9 : 30 ) وكان ارميا النبي يقول عن البشر انهم حتى إذا اغتسلوا بالنطرون ، فإن آثامهم لا تمحي أمام الله ( ارميا 2 : 22 ) (الأشنان والنطرون هي مواد منظفه قوية فالأولى معربه عن اليونانية والثانية هي كربونات الصوديوم ).
وقد تحقق هذا التطهير في كفارة المسيح الكافية إذ قال الرسول بالوحي المقدس عن المسيح : " صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا " ( عب 1 : 3 ) وأنه " احبنا وغسلنا من خطايانا بدمه " (رؤيا 1 : 5 ) والغسل هنا المقصود به إزالة آثر الخطية عن المؤمنين الحقيقيين .
4. الصلح والسلام مع الله :
كان أيوب يبحث عن شخص خال من الخطية ، في الوقت نفسه قادرا علي إبقاء مطالب عدالة الله حتى يستطيع أن يصالحه معه لكنه لم يعثر علي هذا الشخص إطلاقا ولذلك قال يائسا " ليس بيننا مصالح يضع يده علي كلينا ليرفع عني عصاه ولا يبغتني رعبه " (أيوب 9 : 33 – 34 ) ، ولكن تحقق هذا إذ قال الوحي المقدس " فإذ قد تبررنا بالإيمان ، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " (رومية 5 : 1 ، 2 )
5. الخلاص من الدينونة الأبدية :
كان اتقي الناس قديما يخشون الوقوف أمام عدالة الله (مز 143 : 2) ويفزعون من الوقائد الأبدية التي قضي بها (اشعياء 33 : 14 ) لكن بفضل كفاية كفارة المسيح ، أصبحنا لا نخش الدينونة ، بل ونثق كل الثقة أن لنا امتياز التمتع بالله في سمائه للابد ، فقد قال المسيح أن من يؤمن به لا يدان أمام العدالة الإلهية (يوحنا 3 : 18 ) .
وقد قال بولس الرسول بالوحي عن الخلاص من هذه الدينونة " أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا " ( 1يتموثاوس 1 : 12 – 15 ) .
6. الولادة الروحية :
وأهميتها هي في أن الوسائل البشرية تعجز عن إصلاح النفس فلا الصوم ولا الصلاة ولا حتى التوبة تستطيع أن تغير طبيعة الإنسان أو أن تصالح نفسه التي كسرتها الخطية .