النجاة من الهلاك

 

في دراستي في سفر التكوين في التوراة لاحظت أن أول إشارة واضحة للصليب ظهرت في التاريخ قبل صلب المسيح بحوالي ألفي عام ، ظهرت في مصر كما سنرى

تحدّثَت لنا نبوات التوراة عن آلام المسيح في صلبه وعن موته وقيامته ، وذلك قبل ميلاده بقرون عديدة والنبوات تتحدث أحياناً بلغةٍ صريحة واضحة وأحياناً أخرى بأسلوب رمزي لا يعسر على الممارسين المهتمين الساعين لمعرفة الحقيقة . ثم جاء الانجيل بعد التوراة بحوالي 2000 سنة وتحدث بتفاصيل دقيقة عما جرى مع المسيح في الساعات الأخيرة التي قضاها على الصليب ثم عن دفنه وقيامته إلى أن صعد إلى السماء بعد أربعين يوم من قيامته .

فأحداث الصلب والقيامة أحداثٌ موثقة شهد لها أنبياء عظام قبل حدوثها ، وشاهدها رجال ونساء مؤمنين قديسين ومؤمنات محصّنات عند حدوثها ، فأولئك وهؤلاء لا ينطقون عن هوى ، ولا يشهدون لغير الحق.

 

ففي هذه المقالة سنُقَلِّب معاً صفحات سفر الخروج من أسفار التوراة ، فهي تتحدث عن كفاح موسى النبي مع أخيه هرون في مقارعة فرعون ليطلق الشعب من أسره . فحاولا في البداية بالحوار الهادىء لكن فرعون تقسّى وعاند ، ورفض فلجأ موسى النبي إلى المعجزة التحذيرية بأمرٍ من الله فكانت الضربات العشر وكان أولها تحويل ماء النيل إلى دم ، وكان آخرها موت كل بكرٍ في عائلات المصريين بلا استثناء .

 

وكان الله قد أوصى موسى بأن تحتاط كل عائلة من الإسرائيليين على خروفٍ ذكر صحيح سليم ، خالٍ من العيب ، و في عشية يوم الضربة العاشرة يُذبح الخروف ، ويُسكب دمه في طستٍ أو إناء ، ويأخذ رجل البيت باقة من الزوفا "وهي عشبة عطرية" ويغمرها بالدم ويلمس بها عتبة الباب العليا من الخارج ، ثم يغمر الزوفا بالدم ثانية ويلمس بها القائم الأيمن من الباب ثم القائم الأيسر . وقال الله لموسى : " فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكرٍ في أرض مصر ، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم ، فلا يكون عليكم ضربةٌ للهلاك " .

 

ولكي نصل إلى توضيح الصورة المذهلة التي نسعى إلى إدراكها ، دعني أصطحبك قارئى الكريم لثواني معدودة أقف فيها معك أمام أحد بيوت أولئك الاسرائيليين القدماء في تلك الليلة المهلكة . فما الذي سنراه معاً أمام عيوننا ؟.. ها أنذا أرى باباً مغلقاً عليه علامة مميزة ،، وأنت ماذا ترى معي ؟.. أسمعك تقول : أرى باباً عليه ثلاث طبع حمراء واضحة من الدم ، واحدة فوق الباب والثانية على يمين مدخل الباب في مستوى كتف الرجل ، وأخرى في موازاتها على اليسار ، ويوجد بقعة من الدم على وسط عتبة الباب الأرضية رشحت من بقعة الدم التي فوق الباب .

 

سؤالي الثاني لك : فإذا وصلتَ بشريطٍ أحمر بين البقعة اليمنى واليسرى ثم بين البقعة فوق الباب والأخرى على العتبة الأرضية ، فما الذي يتشكل أمامك ؟.. أسمعك تقول : صليب واضح .. نعم إنه لصليب يرشح دماً وبه صارت النجاه لمن احتمى به ، والأغرب من ذلك أن الزمن الذي نتحدث عنه هنا سبق صليب المسيح بحوالي ألفي سنة ، والحدث نفسه يعطي ذات المعنى الذي ننادي به بخصوص صليب المسيح ولماذا صلب .

 

 

لديّ هنا سؤال آخر : علِمنا أن الملاك المهلك مرَّ بكل بيوت المصريين وقتل أبكار كل العائلات ، وكان نواح وعويل كثير في كل البلاد فيما عدا بيوت هؤلاء من شعب موسى وسؤالي هو :

 

ما الذي نجّى هؤلاء من الهلاك ؟.. أسمعك تقول : طبعاً هو علامة الدم التي شكلت شكل صليب على مداخل بيوتهم وبه نجوا من الهلاك والأسى والدموع بينما غيرهم وقع به .

 

وهنا لابد من التوضيح أيضاً : أن ليس كل من قال أنا مسيحي هو محمي بدم الصليب . ذلك لأن المسيحي المحمي هو من يسلك بتعاليم انجيل المسيح بالحق لا بمجرد القول . المسيحية مبدأ والتزام وهي  لا ينقصها البرهان ولا منطق الإيمان ، فأجدادك أيها المسيحي تعرفوا على المسيح وقبلوه فاضطهدوا وعُذّبوا ، وكافحوا وثبتوا ، وبعضهم استشهد ولم يفرّط بإيمانه إلا من خان الأمانة وجَبُنْ .

 فأنت من سلالة أبطال ثبتوا على العهد . أما من ضعفوا وجَبُنوا ورموا عنهم ثوب المسيح ، فهؤلاء التحفوا بالظلام وانسلخوا عن مصدر النور ، فربحوا الهوان وخسروا الأبدية ، فصدق فيهم قول المسيح : من أنكرني قدام الناس أُنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات . أي في يوم الدينونة .

 

 

أنا هنا أخاطب المسيحي المتهاون ..

 

إلى متى تبقى على هذا الحال . ولِمَ الاسترخاء وانجيل الحق بمتناول يديك ، ويوم الأبدية يومٌ قادم يومٌ مرعب لمَن أهمل الاحتماء بصليب المسيح .

 

قال أحدهم : سبب تهاوني هو والداي ، فهما لم يقدما لي القدوة الصالحة دينياً ، فنشأت هكذا. وقال آخر : الكنيسة التي أنتمي إليها لا تقدم الغذاء الروحي ، فالوعظ ضعيف وتقليدي وأحياناً طقوس ومراسيم متكررة مملّة تمرُّ بلا وعظ ولا إرشاد ، ورجل الدين معلوماته اللاهوتية ضحلة ، وما يتلوه علينا تكرار ممل والشعب تعوّد على عبادة روتينية ، فالشباب هجروا الكنيسة لا شيء يحفّزهم للحضور .

 

 

نعم .. نعم .. فهذا صحيح ويحصل في بعض الكنائس ، فيضيع الشباب والشابات في متاهات بلا رعاية واعية للمسئولية ، وهناك من يَتَصَيَّدُهُم مستغلاً ضعفهم وهشاشة ثقافتهم الروحية فيغريهم بمالٍ أو زواجٍ ، وكم من فتاة مراهقةٍ ضاعت بأساليب كهذه وعندما صحت ندمت وبكت وسألت عن مخرج من الوحل الذي سقطت به .

 

حان الوقت لبعض الكنائس أن تعيد النظر في أساليب رعايتها لشعبها ، ومن أول الأولويات تمكين رعاتها لامتلاك مهارة الوعظ والخطابة المبنية على كلمات الكتاب المقدس فهو الينبوع الصافي الذي مَنْ شرب منه لا يعطش ولا يتيه ولا يتعثّر . وتبقى المسئولية على الفرد المسيحي أن يتدبر أمره ويسعى لخلاصه نفسه ويحتمي من الهلاك الأبدي بحمى دم الصليب قبل فوات الأوان . تراءت أمامي اليوم آية ذكرها الكتاب المقدس تناسب موضوع مقالتنا اليوم يقول الله فيها : " هلك شعبي لعدم المعرفة "

 

هل أدركنا نحن خدام الله معنى هذه الكلمات ... هلك شعبي .. لماذا هلك ؟.. الجواب : لعدم المعرفة .

 

 

ونعود إلى ليلة الفصح / أو هي ليلة الضربة الأخيرة من الضربات العشر التي نزلت على شعب فرعون .

 

ففي منتصف الليل مرَّ الملاك المهلك على كل مساكن المصريين وقتل كل بكر والناس نيام .. لكنه وأثناء تجواله الخاطف كلما رأى علامة الدم على مدخل بيتٍ بشكل الصليب الذي أشرنا إليه عبر عنهم ولم يؤذهم .

 

ومع الفجر ارتفع الصراخ والعويل في كل البلاد وكانت ضربة مرعبة ، ولاحظ المصريون أن عائلات شعب موسى لم يصبهم أذى فارتابوا وأدركوا السر !!.. .. ثم أسرع فرعون وطلب موسى وهرون وأوعز لهم أن يسرعوا في الخروج من البلاد فامتثلوا لأمره بل لأمر الله في الأصل وخرجوا . ومن هنا نقول أنهم تحرروا من عبودية فرعون .

 

وهذه هي الصورة الحقيقية لما يصنعه صليب المسيح في من احتموا به . الصليب يحرر من عبودية الشيطان ويُطلق المؤمنين به أحراراً .

 

 

عزيزي القارئ ،

 

ما كتبتة لك ليس نظريات كلامية ، فأنا شخصياً اختبرت وعشت ومازلت أعيش هذا الواقع ، كنت مقيداً بالآثام والخطايا مثل باقي الناس ، وأجهل مصيري الأبدي . وعندما أدركت هذه الحقيقة ارتميت عند قدمي المسيح الذي مات ليفديني فرش دمه على قلبي وحررني .. ومن حينها يرقص قلبي فرحاً لأني صرت أنتمي إليه بحق وليس بالكلام !.. فتعال أنتَ ، وأنتِ إليه .. جرّب وذق حلاوة السير مع المسيح المخلّص ، ولا تتكل على الانتماء الشكلي والتدين التقليدي من قيام بواجبات دينية روتينية متكررة ، مملّة فهذه لا تنفعك . اليوم افتح له القلب وعش بسلام .

 

 

 العودة للصفحة الرئيسية