رافضــوا المســيـح
!!
ميلاد
المسيح كان تنفيذاً دقيقاً لمواعيد الله التي سبق ونطق بها على ألسنة عددٍ كبير من
أنبياء التوراة.
فالمسيحية
بذلك جاءت مكملة لخطة الله المعلنة في نبوات التوارة . هذه حقيقة راسخة ندعو القارئ الكريم أن
يتنبه إليها ويتحقق منها لأن على قبولها أو رفضها يتحدد المصير الأبدي ، لأن الذين يرفضون هذه الحقيقة
إنما هم يقاومون الله فيما خطط منذ أن سقط آدم في عصيان الله
.
ويلاحظ أن أول من وقع في مشكلة الرفض هم أهل التوراة ، علماً أنه كان من الأجدر
بأهل التوراة أن يقبلوا المسيح بعد ظهوره بينهم قبل غيرهم لما تميزوا به من معرفة
في النبوات ، ولكن الانجيل يقول صريحاً أن المسيح إلى
خاصته من اليهود جاء وخاصته
لم تقبله . فهم الخاصة الذين أُنبئوا
بمجيئه من دون شعوب الأرض . وبسبب رفضهم وعنادهم فتح المسيح باب الرجاء لكل الأمم الأخرى لتدخل في دين الله ، وتنال الهداية ، وسرعان ما انتشرت المسيحية في أوساط
مختلف الشعوب الوثنية من بلدان الشرق
الأوسط وأوروبا ، وشمال ووسط افريقيا إلى أن عمت إلى
باقي بقاع الدنيا . فتم قول الانجيل " الأولون آخرين ، والآخرون أولين ".
النبي اشعياء
في سفره بين أسفار التوراة أشار بروح النبوة إلى هذا الواقع حين قال : ترنمي أيتها العاقر التي لم
تلد . ( والعاقر هنا إشارة إلى الشعوب الوثنية ) ثم قال بنفس المعنى : أشيدي بالترنم أيتها التي
لم تمخض . لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل .
ثم
ينادي الوحي على لسان النبي اشعياء إلى الشعوب التائهة
المتعطشة لمعرفة الحقيقة فيقول : أيها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه ، والذي
ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا ، هلموا اشتروا
بلا فضة لماذا تزنون فضة لغير خبز ، وتعبكم
لغير شبع .. أميلوا آذانكم وهلموا إليَّ ، اسمعوا فتحيا أنفسكم وأقطع لكم
عهداً أبدياً .
وأقطع
لكم عهداً أبدياً .. من هنا جاءت تسمية الانجيل بالعهد الجديد على اعتبار فشل أو زيغان أهل التوراة عن الحق ، لأن في
التوراة عهد الله
مع اليهود ، أما الانجيل فهو عهد
الله مع كل شعوب الأرض ، فهو عهد جديد مدفوع بدم
المسيح.
ثم
يقول الله في ذات نبوة اشعياء مشيراً إلى المسيح قبل
ولادته بأكثر من سبعماية سنة يقول مشيراً إلى المسيح :
هوذا
قد جعلته شارعاً للشعوب ، رئيساً وموصياً للشعوب
.
ثم
يخاطب الوحي المسيح مشيراً إلى الشعوب الوثنية التي ستؤمن به وتتبعه فيقول / ها أمَّهْ لم تعرفك تركض إليك
.
كما
يوجه الوحي النداء إلى شعوب الأرض قائلاً : اطلبوا الرب
ما دام يوجد . ادعوه وهو قريب ليترك
الشرير طريقه ورجل الاثم أفكاره وليتب إلى الرب فيرحه
.
ويقول
:
يا جميع وحوش البر تعالي للأكل ( في هذا إشارة واضحة للشعوب الوثنية ) ويقول : يا
جميع الوحوش التي في الوعر : مراقبوه عمي كلهم لا يعرفون . ويقصد بمراقبيه أهل
التوراة حُرَّاس كرم الله وقد أهملوه ، لذلك ينادي الله
باقي الشعوب : يا من تعيشون في وعر البرية تعالوا احملوا الراية لأن حراس الكرم من
شعبي قد تعدوا على شريعتي ، فتعالوا أنتم فالفرصة لكم .
قارئى
الكريم ..
الصورة
التي شرحناها تبدو واضحة حتى في قصة الميلاد ، ففي ميلاد
المسيح ظهر حدثان مميزان ، يُسَلِّط كلٌ منهما الضوء على
حقيقة ما أشرنا إليه وإلى القارئ العزيز التوضيح التالي
:
فالحدث
الأول:
سجّله
انجيل متى في إصحاحه الثاني ويتحدث هناك عن مجوس رجالٍ حكماء جاءوا من بلاد المشرق
بهداية نجمٍ استوحوا منه أن ملكاً عظيماً قد ولد ، فجاءوا إلى فلسطين يسألون عنه
ليسجدوا له . فسمع هيرودس ملك البلاد بخبرهم والخبر أزعجه فدعى شيوخ اليهود وكهنتهم وسألهم :
هل في توراتكم ما يشير إلى مولود عظيم سيأتي ؟.. قالوا :
نعم وهو المسيح . فقال أين سيولد المسيح ؟. قالوا : حسب
نبوات أنبيائنا المسيح سيولد في بيت لحم .
فخرج المجوس وواصلوا سيرهم يهديهم النجم إلى أن وصلوا إلى بيت لحم إلى
المكان حيث كان يسوع الطفل وأمه مريم ، فخروا وسجدوا له ، ثم
فتحوا كنوزهم وقدموا هدايا ذهباً ولباناً ومراً وعادوا إلى بلدانهم فرحين
.
ما
يهمنا هنا أن أهل العلم والدين من تباع التوراة فاتهم أن يتعرفوا على حقيقة المسيح وأن يحتفلوا بميلاده
، بينما جاء هؤلاء الغرباء وأعلنوا وتعرفوا عليه وكرموه بسجودهم له ،
وبتقديمهم هداياهم وقد دلت على أمورٍ
نبوية تحققت فيما بعد ، بينما بقي
أهل البيت كالغرباء وكأن الأمر لا يعنيهم وكأن لا توراة بين أيديهم ، ولا أنبياء
أنبأوا بمجيئه .
الحدث
الثاني :
سجله انجيل لوقا في الأصحاح الثاني عن رعاة من البدو
كانوا يحرسون حراسات الليل على أغنامهم في ليلة الميلاد ولا علم لهم بشيء . وهؤلاء
أفراد بسطاء لا يسكنون المدينة ، ولا يعرفون الزيف أو
النفاق . وبينما هم كذلك أبرق حولهم
نور ساطع وظهر لهم ملاك من الله فارتعبوا من هول المنظر ،
لكن الملاك طمأنهم قائلاً : لا تخافوا ، فها أنا أبشركم بفرحٍ عظيم يكون لجميع
الشعب ، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود ( أي بيت لحم ) مخلص هو المسيح الرب ،
وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود
. وظهر بغتةً مع الملاك جمهور من
الجند السماوي ( أي جمهور من الملائكة ) مسبحين الله وقائلين
: " المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة
".
فترك
هؤلاء أغنامهم في حراسة الله وذهبوا فوراً مسرعين ليشاهدوا ما أُبلغوا به ، فوجدوا الأمر كما قيل لهم ، وأخبروا مريم بما سمعوه من الملاك وما شاهدوه ، ثم رجعوا فرحين إلى
أغنامهم .
فالعبرة
هنا كذلك أن أناساً كهؤلاء من بسطاء القوم استحقوا من الله أن يكونوا أول من تعلن
لهم بشرى ميلاد المسيح بينما كهنة الشعب وعارفوا التوراة
وحراس شريعة الله منهم تجاوزتهم البشرى السارة وذهبت إلى غيرهم
. فلا نستغرب إذاً حين نفاجأ في يوم الدين فنرى أن الكثيرين من الصوامين والمصلين والقائمين بواجبات الدين وطقوس العبادة ، يرفضون من دخول الجنة ، بينما تفتح أبوابها
لأناسٍ بسطاء ليسوا بالحسبان ، ولم يؤتوا من العلم إلا قليلاً ، إنما هم كانوا في
دنياهم قد صدقوا كلامه ببساطة دون نفاقٍ أو استعراضٍ مظهري ، فيتمتع هؤلاء بالحياة
الأبدية دون أولئك .
فنحن
كبشرٍ كثيراً ما تشدنا المظاهر الخارجية ، وتخدعنا
العناوين والألقاب والمسميات الفخمة ، وننسى أن الله ينظر إلى القلوب الطائعة لله التي لا تسعى وراء الشهرة تحت غطاء التدين
المظهري.
هذا
هو الخطأ القاتل الذي وقع
به أتباع الشريعة الموسوية أيام المسيح
. كانوا يتشددون في الحفاظ على أصول
الشريعة بطريقةٍ ميكانيكية بعيدة عن الحق والرحمة والإيمان
، وجاء المسيح وولد بينهم وعاش وعلم وصنع ما صنع من معجزات وعبر عنهم وقلة
قليلة منهم تنبهت للحقيقة وآمنت به ، وفي نفس الوقت ومع توالي الأيام والسنين شعوب
الأرض الأخرى انفتحت لدعوى الإيمان وقبلت المسيح رباً على حياتهم ، وأهل بيت الله
من اليهود ضلوا عنه وابتعدوا بعيداً ، ومن اطلع على الأصحاح الثالث والعشرين من انجيل متى يلاحظ بوضوح صورة هذه
الحقيقة في خطاب المسيح لهؤلاء / متى أصحاح 23